ارشيف من : 2005-2008

حديث المبادرات الفاشلة

حديث المبادرات الفاشلة

لماذا بقيت المساعي الغربية والعربية لحلحلة أزمة الحكم في لبنان عند حدود المحاولات التي لم يكتب لها أي حظ من النجاح. وهل يكون نصيب المسعى الراهن للوفد العربي برئاسة الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى مماثلاً لما سبق، ويكون مآله الفشل أيضاً.
تبدو هذه التساؤلات واقعية جداً ومشروعة ومستشرفة لآفاق المسعى مع استمرار تعنت فريق الأكثرية المزعومة ودأبه على عزف اسطوانته الوحيدة الممجوجة المليئة بالشروط والألغام والاقتراحات الانقلابية المضادة، وهي من قبيل وضع العربة أمام الحصان وليس العكس، على اعتبار أن انطلاقة آلية الحل يقتضي التوافق على حكومة وحدة وطنية تعيد المناعة إلى الجسم اللبناني المليء بالثقوب، وتستطيع تحصين الساحة اللبنانية وحفظها من الانهيار بفعل ضغوطات الخارج وانشقاقات الداخل.
ولعل ما أفصح عنه رئيس المجلس النيابي نبيه بري من ضرورة التزام فريق الأكثرية بالإعلان وبشكل صريح وواضح قبوله بتشكيل حكومة وحدة وطنية يشكل المدخل الأكثر سلامة للولوج باتجاه الحل المنشود، ولكن الرد الشباطي جاء  هذه المرة أيضاً محبطاً للمساعي ومخيباً للآمال على جاري عادته.
مع تكرار رموز هذا الفريق لمواقفهم المعارضة من قبيل كلام وليد جنبلاط عن أن الوقت ليس وقت حكومة وحدة وطنية، وكلام سعد الحريري الذي تساءل ما إذا كانت موافقة فريقه على حكومة وحدة وطنية ستوقف الاغتيالات والتدهور الأمني، فيما يبدو أنه اتهام ضمني للمعارضة بالمسؤولية عما يجري. أما سمير جعجع فقد اعتبر طرح حكومة الوحدة الوطنية غير وطني، وكذلك فإن فريق السلطة بدأ يعد العدة لإجراء انتخابات فرعية في المتن في خرق جديد للدستور الذي ينص على ضرورة توقيع رئيس الجمهورية على مرسوم دعوة الهيئات الناخبة.
بالمقابل، فإن موقف فريق المعارضة آخذ بالتبلور باتجاه الذهاب إلى حكومة شرعية حقيقية إذا ما تعذر التوصل إلى اتفاق حول حكومة الوحدة، وإزاء ذلك يكون فريق الأكثرية قد أدخل البلد بفعل تعنته ومكابرته وتمسكه بالاستئثار بالسلطة في دوامة انقسام على كل المستويات، بما لا يمكن التنبؤ بتداعياته.
في الوقت نفسه كانت المدفعية السياسية الثقيلة لقوى 14 شباط تصعّد قصفها باتجاه سوريا مطالبة الجامعة العربية باتخاذ موقف من سوريا، وتحميلها مسؤولية ما يجري في لبنان، وضاغطة باتجاه نشر قوات دولية على الحدود بين البلدين، وهو ما آثار حفيظة دمشق التي ردت بإقفال معبر ثالث بين البلدين هو معبر القاع، وتتجه لإقفال معبر المصنع الرئيسي ربما خلال الساعات المقبلة.
وإزاء ذلك، ماذا يريد فريق السلطة من خلال التزامه خطه السياسي التشنجي التصاعدي ونهجه الانقلابي على الدستور وكل الثوابت الوطنية، وخطته المستمرة في إفشال المساعي والمبادرات العربية والأوروبية، وماذا يريد من وراء لعبة تقطيع الوقت والمماطلة التي احترفها جيداً منذ مدة وبدعم وغطاء من بعض الدول العربية النافذة، هل ثمة مراهنات جديدة يعقد عليها هذا الفريق آماله كي يستمر في سياسته هذه، وهل أن أمثولة حرب تموز لم تنفع وتستمر الرهانات لديه على المشروع الأميركي في المنطقة والتزام تنفيذه "أجندته" اللبنانية.
ألم يئن لهؤلاء أن يعتبروا من كل أمثولات الاحتلال ونتائجه قديماً وحديثاً، ألم ييأس هؤلاء من الرهان على مشاريع الإدارة الاميركية المتهاوية في المنطقة.
يبدو أن النصائح باتت متأخرة جداً، وهي لا تستطيع أن تقرع آذان هؤلاء التي صمّت عن سماع أي شيء غير تعليمات واشنطن وسفيرها في بيروت، ولكن الشيء الحريّ بالتوقف عنده ملياً هو أن هؤلاء لا يلقون بالاً أو يقيمون أي وزن واعتبار للبلد وأهله، وبالتالي فإن اندفاعهم لخدمة مصلحة الأجنبي أو مصلحتهم الضيقة الخاصة يفوق أي التزام آخر، وخاصة أن أدوارهم الحقيقية لا تأتي من شرائح شعبية وازنة بقدر ما تأتي من دعم خارجي كبير ليس له كبير حظ في الاستناد إلى تمثيل حقيقي، وفي كل حال فإن جوازات سفر هؤلاء الأجنبية، ومقرات إقاماتهم أيضاً جاهزة في الخارج.. وعليه فإن بدائلهم جاهزة في حال قرروا مغادرة البلد في أي وقت، وكل البلدان أوطانهم على ما يبدو إلا لبنان.
الانتقاد/ العدد1220 ـ 22 حزيران/يونيو2007

2007-06-22