ارشيف من : 2005-2008

مشهد الجيش الاسرائيلي بعد عدوان تموز:هالة القوة التي أسقطتها الهزيمة

مشهد الجيش الاسرائيلي بعد عدوان تموز:هالة القوة التي أسقطتها الهزيمة

الصورة التي ظهر عليها الجيش الاسرائيلي خلال حربه الاخيرة على لبنان، وخرج بها في نهايتها، اظهرت بشكل واضح حقيقة واقع "اسرائيل" عبر اعادتها الى حجمها الطبيعي واجتثاث كل الزوائد التي انتجت صورة مضخمة عنها زُرعت في اذهان الرأيين العام العربي والعالمي، لكن من دون الوقوع في فخ التوهين او الركون. وخاصة ان تجنب التوهين والاستخفاف يصب في مصلحة المقاومة لأنه يُعزز من عظمة النصر، فضلا عن انه يظهره بصورته الاقرب الى الواقع.
ايضا اضاءت هذه الصورة على المستقبل الذي ينتظر هذا الكيان الغاصب فيما لو تم تعميم صحوة الشعوب العربية على الخيار المقاوم وتعميم تبنيه.
اما فيما يتعلق بمفردات هذه الصورة فيمكن اجمالها، قبل إيراد بعض التفاصيل المبلورة لها، عبر ما خلص اليه احد الابحاث التي نشرها مركز ارييل للدراسات السياسية، من خلال المجلة الصادرة عنه "نتيف": "اسرائيل تقف اليوم في أحد المفترقات المصيرية الأكثر حسما. من نواحٍ كثيرة، اذ يُعد وضعها اليوم أسوأ بكثير من العام 1967، عندما سيطر على الجميع خوف الزوال، وعندما حفر سكان تل أبيب الحفر الدفاعية بانتظار الحرب المقتربة. وهو أسوأ أيضا من عام 1973 الذي اقتربت فيه الهزيمة العسكرية بشكل مثير للقلق. وفي الحالتين نجونا، خلافا للأسطورة الإسرائيلية، بصورة أساسية بفضل الكثير من الحظ والقيادة السيئة للعدو. وفي ظل غياب حوار استراتيجي جوهري، وتصورات استراتيجية وجيوسياسية مختلفة وغريبة أصبحت سائدة، يقترب من إسرائيل خطر لا تشخصه وهي تستعد منذ أعوام للحرب غير الصحيحة.... واصبح اسم اللعبة الآن "البقاء" أو "الصمود"".
عينات من واقع جيش العدو خلال الحرب
لعل الإسهاب في عرض موازين القوى بين حزب الله والجيش الإسرائيلي، من اجل إثبات التفوق الإسرائيلي، يندرج في إطار لزوم ما لا يلزم. وبالتالي يمكن الجزم، استنادا إلى ما تختزنه ذاكرة كل قارئ ومواطن في هذا العالم عن القدرات التكنولوجية والعسكرية الإسرائيلية، أن اصل فشل الجيش الإسرائيلي في تحقيق أهدافه الاستراتيجية يشكل بينة قاطعة على تفوق مقاومي حزب الله من حيث التخطيط والأداء والإقدام والثبات برغم تدني مستوى قدراته العسكرية بالقياس إلى الآلة العسكرية الإسرائيلية. كما يشير بشكل جلي إلى تدني كفاءات الجندي الإسرائيلي برغم تفوق آلته العسكرية.
وضمن هذا الإطار يُظهر بعض ما كشفه تحقيق الجيش عن فرقة الاحتياط النخبوية التي قادها العميد ايال آيزنبرغ خير دلالة. اذ لفت الى تفاقم الوضع داخل الفرقة جراء الاصابات التي تلقتها بفعل نيران حزب الله الى حد ان قائد احد ألويتها، العقيد داني كاست رفض التوجه إلى المكان الذي قتل فيه تسعة جنود جراء صاروخ اطلقه مقاتلو حزب الله في قرية دبل، برغم انه كان موجودا على بعد 150 مترا فقط، في منزل اخر من القرية نفسها. وكان العقيد "كاست" صريحا، الى حد ما، في التبرير الذي قدمه وهو الخشية من ان يحصدهم حزب الله بنيرانه، ووفق تعبيره ان خروجه من البيت الذي كان فيه "سيكشف الجنود الباقين فيه أمام حزب الله"، واصر على ترك الجنود الباقين الذين استُهدفوا دون نجدتهم.
وفي هذا السياق أُثيرت في التحقيق مآخذ حول تعاون سلاح الجو في نقل قوات الفرقة النخبوية جوا عبر المروحيات في اليومين الأخيرين من الحرب، وحول قرار سحب كتيبة احتياط، كانت موجودة داخل المروحيات في الجو، بعد إسقاط مروحية اليسعور بالقرب من ياطر. ووصل حد انتقاد ضباط الفرقة ان اتهموا قائدها، ايزنبرغ، بالتردد في اتخاذ القرارات، وهي السمة الاخطر في ميادين القتال التي تتطلب وضوحا في الرؤية ودقة في الحسابات وحسما في الموقف وشجاعة في الاقدام.
المدرعات:
- برغم ان الجيش الاسرائيلي يمتلك احدث الدبابات في العالم واكثرها تحصينا، دبابات الميركافا وخاصة من طراز 3 و4، الى حد ان الاستراتيجيين الاسرائيليين نظروا الى سلاح المدرعات على انه يشكل حاجزا وسدا امام اي تفكير عربي في محاولة شن هجوم شامل على اسرائيل. الا ان الهالة التي تمتع بها هذا السلاح لعقود خلت سقطت وتبددت على ارض جنوب لبنان. اذ كان كافيا وجود مجموعات صاروخية مدربة ومجهزة بصواريخ متطورة، وتمتلك اقصى درجات الاستعداد للتضحية والاستشهاد، من اجل اسقاط هذه التصورات والنظريات.
ومن ابرز الوقائع التي اظهرت هذه الحقيقة هو كيف تحول وادي الحجير الى كتل مشتعلة بالدبابات الاسرائيلية عندما اتخذت القيادة الاسرائيلية قرارا باجتياح بري واسع، في نهاية الحرب، من خلال الدفع بآلاف الجنود ومئات الدبابات الى عمق الاراضي اللبنانية، لكن النتيجة كانت تدمير عشرات الدبابات ومقتل 33 جنديا وجرح اكثر من 200 باعتراف العدو. هذا بالاضافة الى صور الدبابات الاسرائيلية التي شاهدها الناس على شاشات التلفزة وهي تحترق في سهل الخيام عندما حاولت التقدم باتجاه بلدة الخيام لاحتلالها.
لكن العينة التي تظهر معنويات جنود وضباط سلاح المدرعات يمكن اظهارها ايضا من خلال ما كشفته لجنة تحقيق الجيش حول اداء فرقة المدرعات في القطاع الشرقي، التي كان يقودها العميد ايرز تسوكرمان، خاصة خلال الاسبوع الاخير من الحرب. حيث وُجهت الى الفرقة انتقادات قاسية وُصفت بـ"القاتلة". ومن ابرزها لجوء قوة اسرائيلية الى ثكنة مرجعيون للاحتماء بها والتمترس بعناصرها تفاديا لصواريخ المقاومين. والابرز هو رفض قائد كتيبة في لواء المدرعات التابع للفرقة، الدخول الى الاراضي اللبنانية لنجدة رفاقه ما دفع قادته الى تنحيته خلال المعارك وتولي الضابط الذي سبقه قيادتها. وكل ذلك على بعد مئات الامتار من الحدود اللبنانية الفلسطينية.
- اما بخصوص سلاح الجو الاسرائيلي تكفي الاشارة الى ان هذا السلاح شكل احد اهم واقوى اسلحة الجو في العالم، والاقوى على الاطلاق في منطقة الشرق الاوسط. وكتعبير عن مدى ثقة القيادة العسكرية والسياسية الاسرائيلية بقدرات هذا السلاح اندفعت هذه القيادة الى الاعتماد عليه حصرا لحسم المعركة مع حزب الله خلال عملية عسكرية تستمر لاربعة ايام فقط. الا ان النتيجة كانت برغم التدمير الهائل وغير المسبوق الذي الحقه الجيش الاسرائيلي بالمناطق اللبنانية الا انه عجز عن حسم المعركة، بل حتى لم يقترب من تحقيق جزء معتد به من الوعود التي قدمها. وفشل في معالجة قدرات الإطلاق الصاروخية التي استهدفت منطقة شمال الكيان الاسرائيلي بأسره وصولا الى حيفا وحتى الخضيرة، ولو طالت الحرب اكثر لربما طالت تل ابيب.
الى جانب ما تقدم فإن الخلل الناتج عن الفشل والشعور بالهزيمة لم يقتصر على الصفوف الدنيا بل طال القيادات العليا، اذ نشب خلاف عميق بين قيادة اركان الجيش وقيادة المنطقة الشمالية، كما هي حال الطرف المهزوم الذي يبحث عن كبش فداء، حول اسباب الخسائر البشرية المؤلمة التي حلت بهم. اذ اعتبروا في هيئة الاركان ان التورط في معركة مارون الرأس، والتي حمَّلوا نتائجها لقيادة المنطقة الشمالية، كان نتيجة للمعركة التي خاضتها وحدة "ماجلان" قبل يوم من ذلك في المحمية الطبيعية التابعة لحزب الله في جبل "شاكيد" المجاور. أما في قيادة المنطقة فيقولون إنه لا يوجد علاقة بين الأمرين، حيث اتهموا هيئة الأركان بالإصرار الزائد على احتلال بنت جبيل وهو ما ادى، بحسب أقوالهم، إلى الخسائر الكبيرة في لواء غولاني.
ولعل في ما ورد في الدراسة التي اشير إليها مطلع المقالة حول بعض التحولات الاستراتيجية التي نتجت عن حرب لبنان الثانية هو: "تحولت المشكلة الإستراتيجية لأعدائنا المتمثلة بعدم وجود القدرة على مواجهة سلاحي الجو والمدرعات الإسرائيليين، إلى مشكلة تكتيكية. بمعنى أن كل ما ينبغي لهم فعله هو العمل على تحقيق بيئة مليئة بمجموعات ضد الدروع تستخدم نظرية قتالية تقوم على الاستهداف من أماكن خفية، وكذلك انتهاج خدع وتكتيكات بإمكانها أن تجهض قدرات سلاح الجو. مثل الالتصاق السريع بالبلدات الإسرائيلية وبقوات الجيش، وبالتالي منع سلاح الجو من تفعيل كامل قوته.... وهكذا، إذا كانت جيوش العدو (والكلام للدراسة الاسرائيلية) قد امتنعت في الماضي حتى عن عملية حربية محدودة انطلاقا من الاعتقاد بأنها لا تملك حلا لمشكلة المدرعات وسلاح الجو الإسرائيليين، فإن الوضع قد تغير الآن من النقيض إلى النقيض، مع إثبات إمكان تدمير المدرعات بواسطة صواريخ مضادة للدروع مطورة، فيما قدرة سلاح الجو على الحسم بعيدة. والنتيجة هي أن القوى المعادية لاسرائيل تُشخص، للمرة الأولى منذ 34 عاما، إمكان تحقيق إنجازات جوهرية في مقابل دولة إسرائيل في حرب تقليدية".
جهاد حيدر
الانتقاد/العدد1224ـ 20 تموز/يوليو2007

2007-07-20