ارشيف من : 2005-2008

اسرائيل تحكي قصة مارون الراس : كيّ وعي الجيش الاسرائيلي

اسرائيل تحكي قصة مارون الراس  : كيّ وعي الجيش الاسرائيلي

بدأت ورطة جيش العدو في معركة مارون الراس عندما ارسلت قوة مؤلفة من 18 جنديا تابعين للوحدة المختارة "مغلان" بهدف مراقبة نقطة لحزب الله تقع داخل حرج على سفوح مارون الراس، (تسمى اسرائيليا تل شكيد) وتحديد الاماكن التي تنطلق منها النيران. وكانت هذه المهمة احدى العمليات البرية الأولى في الحرب. وفي الساعة 11:40 فقط أدرك الجنود انهم موجودون داخل منطقة لحزب الله فيها مواقع كثيرة، ليست أقل تغطية من مواقعهم. فبادر الجنود الى رمي قنبلة يدوية أصابت شبكة تمويه اقامها رجال حزب الله ومُطت الشبكة، بحسب رواية الجنود، وأعادت القنبلة الى القوة الاسرائيلية لتنفجر بينهم. وعندها فُتحت النار من عدة اتجاهات. ودار القتال بين الصخور ليسقط خلالها قتيلان من القوة الاسرائيلية، الرقيب أول يونتان هداسي والرقيب أول يوتام غلبوع، واصيب تسعة اخرون من مجموع العناصر الثمانية عشر.
في تلك اللحظات ادركوا في قيادة فرقة الجليل أن الإنذارات المتواصلة التي كان يعطيها (قبل الحرب) جهاز "لينكولن" المُخصص لتحديد مواقع سقوط قذائف الهاون وفقا لدوي الانفجار (وكان يتبين عدم صحتها)، كانت في الحقيقة عمليات الحفر التي كان يقوم بها رجال حزب الله بالقرب من الحدود ومن دون علم الجيش الاسرائيلي.
بعدما علم (رئيس الاركان ووزير الدفاع الاسبق شاؤول) موفاز بالعملية ونتائجها اتصل وطلب اولمرت، ولم يستطع التواصل معه الى منتصف الليل تقريبا وقال له: "قُل لي، ما هذه العملية؟".
دافع رئيس الحكومة عن نفسه قائلا: "أجزت لهم أن يدخلوا 1.5 كيلومتر فقط".
ورد موفاز: "في 1.5 كيلومتر يوجد مئات من أفراد حزب الله".
رد اولمرت: "سأتحدث الى رئيس الاركان الذي سيفحص ثانية عمليات كهذه".

القيادة العسكرية طلبت إعداد سجن في معسكر فيلون لاستيعاب مئات من عناصر حزب الله الأوائل الذين سيقعون في الأسر

وبعد وصول الانباء عما حل بـ"مغلان" الى مقر الاركان العامة للجيش تملكتهم الصدمة ووجدوا صعوبة في فهم كيفية تعقد العملية البرية السهلة نسبيا، وخاصة انها تقع على بعد مئات الامتار من الحدود. وفي أعقاب هذه الحادثة صودق على إدخال قوة اكبر الى المنطقة، وكان الهدف السيطرة على اعلى نقطة فيها (وبذلك تقرر احتلال مارون الراس). وكلفت قيادة العمليات البرية، احتلال مارون الراس، الى قائد اللواء (300) الغربي على الحدود مع لبنان، العقيد حين لفني. وبدأت العملية ليلة الاربعاء الخميس، بين 19 ـ 20 تموز، حيث سيطر مقاتلو كتيبة المظليين، بقيادة المقدم نمرود ألوني على الجزء الشمالي من القرية. وبدا للإسرائيليين ان المعركة كانت ناجحة حيث وجه قائد الكتيبة سلاح الجو الذي استهدف بصواريخه 34 هدفا في القرية. وبدا واضحا انهم ارادوا في قيادة الجيش ان يروا في مارون الراس صورة نصر بارزة، مشابهة لصورة "مئات الفلسطينيين الذين يرفعون أيديهم خاضعين ويُسلمون سلاحهم في قلب طولكرم، اثناء عملية "السور الواقي" في نيسان 2002. ومن اجل ذلك تلقت الشرطة العسكرية أمرا بأن يُعد على وجه السرعة موقع سجن في معسكر فيلون بالقرب من روش بينا لاستيعاب مئات من عناصر حزب الله الأوائل الذين سيقعون في الأسر".
وما عزز بداية الشعور بالنصر لدى الجيش الاسرائيلي هو ان قائد الكتيبة نمرود اتصل صباح اليوم التالي من مارون بقائد الفرقة 91 (فرقة الجليل) العميد غال هيرش، وقال له إن جنوده عدوا 13 جثة للمخربين. عندها أسرع هيرش الى ابلاغ رئيس الاركان بذلك وقال له: "تدور المعركة على نحو ممتاز! توجد 13 جثة!". وكانت هذه بشرى ممتازة لحلوتس. لذا أراد أن يقدم للجمهور وللمستوى السياسي صورة عن أن الجيش الاسرائيلي في أفضل حالاته.
اتصل حلوتس بقائد المنطقة الشمالية اللواء اودي آدم وحثه على أن ينقل صور أسرى وقتلى من حزب الله. اتصل قائد المنطقة بالمقدم نمرود لطلب صور. لكن الاخير لم يتحمس للفكرة واجاب: "أيها القائد، نحن غير مستعدين لتعريض الجنود للخطر من اجل جلب صور جثث". وأجابه آدم "اذا كان في عملية التصوير تعريض حياة جنود للخطر فلا حاجة اذاً. أنت على حق".
وهكذا انكشفت الصورة الكاذبة التي حاول ان يقدمها قائد الكتيبة التي احتلت الجزء الشمالي من القرية. وتغلغل الشك في قلوب القيادات الموجودة في مقر وزارة الدفاع في تل ابيب حول صحة وجود 13 جثة، واعتقدوا ان اللواء ادم تبجح بهذا الادعاء ليس الا. وساد الغضب وسط القيادة ايضا لانه لم يُعتقل في مارون الراس أسرى سوى بعض المواطنين الذين ما لبث ان تم اطلاق سراحهم فورا.
ماذا حصل بعد دخول القوات الاسرائيلية الى شمال مارون الراس: وجه مقاتلو حزب الله صواريخهم المضادة للدبابات، من قلب القرية، باتجاه القوات الاسرائيلية المقتحمة واصيبت عندها دبابتان، ما دفع قائد اللواء لفني الى طلب النجدة لتعزيز القوات.
وبادر قائد الفرقة 91، العميد هيرش، الى الطلب من وحدة ايغوز التوجه الى مارون، ولكن قائد الوحدة المقدم مردخاي كهانا، وهو إبن أخ قائد حركة كاخ المتطرف الحاخام مئير كهانا، احتج بقوله "هل أدخل في وضح النهار؟". وأجابه قائد اللواء لفني، "اجل، في أسرع وقت ممكن. لا مناص من ذلك. يجب علينا تخليصهم. والا لن يجدي الانتظار حتى الليل"... قرابة الساعة الثالثة والنصف بعد الظهر بدأت المعركة الشديدة. قُتل خلالها جندي من السرية (ب) التابعة لوحدة أيغوز. ولاحظت قوة من سرية اخرى، "حركة سيارة مريبة توجهت الى الشمال نحو بنت جبيل لنقل الجرحى. ففتح الجنود النار عليها، لكنهم انتبهوا بعد ذلك الى انهم يقفون على منحدر مكشوفين لنيران حزب الله من مسافة بعيدة. وبعد مرور بضع ثوان أطلق عليهم رجال حزب الله صاروخ ساغر مضادا للدبابات. وكانت الاصابة قاتلة. حيث قُتل قائد السرية، الرائد بنيامين هيلمان، (الذي اصدر الامر باستهداف السيارة) ومعه اثنان من جنوده. واستمر الهجوم. واختفى فجأة الرقيب أول يهونتان فولسيوك، الذي حاول الوصول الى الجرحى. وتسبب سقوط عدد كبير من المصابين، وفقدان جندي، بحالة من الجنون. انهالت على هاتف غال هيرش مكالمات من القيادة. ومنذ تلك اللحظة أصبحت المهمة الرئيسة تخليص المصابين وتحديد موقع الجندي المفقود.
وبعدما هبط الظلام، طلب كهانا تجميد الوضع بهدف العثور على الجندي المفقود... وبعد عملية بحث مطولة تم العثور على الجندي قتيلا تحت ركام احد الجدران.. وتم انتشاله لينتهي بذلك كابوس وحدة ايغوز. وتحول العثور على الجندي القتيل يهونتان ونقل الجرحى الذين اصيبوا في القرية الى انجاز ليتم في اعقابها انسحاب القوة الاسرائيلية، بعدما سطر المقاومون اروع الملاحم البطولية.
ونقلت بعض الصحف الاسرائيلية وصفا للمعركة بالقول انها كانت "كيّ وعي" للجيش الاسرائيلي في حين انه كان يخطط لها ان تكون كيّاً لوعي المقاومين.
ج.ح
الانتقاد/العدد1224ـ 20 تموز/يوليو2007

2007-07-20