ارشيف من : 2005-2008
التقرير السادس لبرامرتز قضى نهائياً على مزاعم الصدّيق و"الميتسوبيشي" شاهد
قضى التقرير السادس لرئيس لجنة التحقيق الدولية في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، القاضي البلجيكي سيرج برامرتز، نهائياً وبصورة قاطعة وجازمة، على الرواية التي أعطتها "فرقة تضليل التحقيق" للشاهد السوري محمّد زهير الصدّيّق، وتمسكّ بها المحقّق التضليلي الآخر الألماني ديتليف ميليس، حول شاحنة "الميتسوبيشي" المستخدمة في الجريمة.

ففي سياق توجيه الاتهام إلى سوريا بالضلوع في هذا الاغتيال أو الوقوف وراءه، تفتّقت عبقرية المتلاعبين بالتحقيق من سياسيين ومخبرين، عن الادعاء بأنّ هذه الشاحنة شوهدت في أحد المعسكرات في سهل الزبداني في سوريا حيث تمّ "تفريغها ونزع جوانبها وحشو المتفجّرات فيها" بحسب ما ذكر ميليس في البند 110 من تقريره الأوّل الصادر يوم الخميس في 20 تشرين الأول/ أكتوبر من العام 2005، والمقدّم للأمين العام للأمم المتحدّة آنذاك كوفي أنان.
ولكنّ الحقيقة الساطعة هي أنّ شاحنة "الميتسوبيشي" سرقت من اليابان وأدخلت دولة الإمارات العربية المتحدة وشحنت إلى مرفأ طرابلس في شمال لبنان حيث اشتراها مجهولون من صاحبها ورفضوا إتمام معاملات الشراء فوراً بحجّة أنّ الوقت مبكر ويمكن القيام بها في وقت آخر، ثمّ نقلوها بواسطة "بلاطة" إلى محلّة الدورة في شرق بيروت، حيث أنزلوها و"انشقت الأرض وابتلعتها" فاختفت، ولم تظهر إلاّ في جريمة الاغتيال في محلّة عين المريسة في 14 شباط/ فبراير من العام 2005.
وهذه الرواية واحدة من المزاعم الكثيرة التي ساقها الشاهد زهير الصدّيق وتبناها ميليس والقضاء اللبناني، واعتبراه شاهدهما الأساسي لتوقيف الضبّاط الأربعة اللواءين جميل السيّد وعلي الحاج والعميدين مصطفى حمدان وريمون عازار، قبل أن يتحوّل إلى مدعى عليه بشهادة كاذبة تُرجمت بمذكّرة توقيف غيابية رفضت فرنسا في عهد رئيسها جاك شيراك تنفيذها عبر تسليم الصدّيق إلى القضاء اللبناني لما يترتّب على ذلك من انهيار كلّي لدعائم تحقيقات ميليس، ووجوب الافراج عن الضبّاط الأربعة، وهو ما لا يصبّ في مصلحة الصبغة السياسية المتماشية مع تحقيقات ميليس.
وعن انعكاس هذه المتغيّرات على سير التحقيقات ومصير الضباط المذكورين، سألت "الانتقاد" الوزير السابق المحامي ناجي البستاني بوكالته عن عازار وحمدان، عن قراءته لتقرير برامرتز السادس، فأكّد بأنّه تضمّن عناوين كبيرة فيها الكثير من الموضوعية والمهنية والاحتراف.
وقال البستاني إنّه يتبيّن من البند 14 من التقرير بأنّ لدى برامرتز 120 ألف صفحة من المعلومات، و1200 صفحة من الإفادات، و3000 صفحة من تعليقات المحقّقين، و6200 مستند آخر كناية عن تقارير تحليلية داخلية من لجنة التحقيق الدولية وإجابات على طلبات وردت من لبنان وسوريا وغيرهما من الدول، وفي ضوء هذه المعطيات الهائلة أكّد برامرتز بأنّه أودع القضاء اللبناني كلّ ما لديه من معطيات تتناول الضبّاط الأربعة وسائر الموقوفين.
وأضاف البستاني أنّه انطلاقاً من هذا الواقع لا يبقى أمام القضاء اللبناني أن يقول إنّه لا يملك كلّ شيء عن التحقيقات، فبرامرتز سلّمه كلّ ما لديه، وبالتالي فإنّه لم يعد باستطاعته التهرّب من مسؤولياته، وبات يتوجّب عليه اتخاذ القرار بشأن طلب استرداد مذكّرة التوقيف وإلاّ تخلية السبيل.
وأوضح البستاني أنّه إزاء تعداد برامرتز لهذا الكمّ الهائل من المعلومات والمعطيات، فإنّ الكرة صارت في ملعب القضاء اللبناني، "فإما أن يكون لديه شيء ضدّ الضباط الأربعة ويتوجّب عليه وفقاً لقانون أصول المحاكمات الجزائية أن يواجهنا به لكي نقوم بالدفاع اللازم عن موكّلينا، وإمّا أنّه، وهذا ما نحن متيقّنون منه، لا يوجد لديه شيء على الرغم من هذا الكمّ الهائل من الإفادات، وصار من أولى واجباته استرداد مذكّرات التوقيف والمبادرة إلى تخلية السبيل".
وأعلن البستاني أنّه لا يجوز وفقاً لأيّ منطق قانوني، أن يمارس قاضي التحقيق سلطتين استنسابيتين في آن معاً ووقت واحد. فأن يقول قاضي التحقيق بأنّ لدي استراتيجية لإجرائية التحقيق وتحديد المقابلات والإفادات فهذا مخالف للمادة 76 من قانون أصول المحاكمات الجزائية التي تنصّ على التالي: "على قاضي التحقيق عند مثول المدعى عليه أمامه في المرّة الأولى، أن يحيطه علماً بالجريمة المسندة إليه فيلخّص له وقائعها ويطلعه على الأدلّة المتوافرة لديه أو على الشبهات القائمة ضدّه لكي يتمكّن من تفنيدها والدفاع عن نفسه، وإذا أغفل قاضي التحقيق إعلام المدعى عليه بالجريمة المسندة إليه، أو تنبيهه إلى حقّه بالاستعانة بمحام، أدّى ذلك إلى بطلان الاستجواب كدليل من أدلّة الإثبات".
وفسّر البستاني كلامه بالقول "أفترض بأنّني أعطي قاضي التحقيق، وهو في حالة الضبّاط الأربعة المحقّق العدلي، سلطة استنسابية ولكنّه لا يستطيع أن يمارس سلطة استنسابية بإبقاء المدعى عليه قيد التوقيف وعدم مواجهته بالبيّنات والأدلّة، وعدم تمكينه من الدفاع عن نفسه وهذا كمن يقول "بدي خليك موقوف حتّى لاقي عليك دليل".
وأكّد البستاني أنّه إذا كان يوجد شيء ضدّ الضبّاط الأربعة فيجب مواجهتهم به ولا يجوز أن يردّ طلب تخلية السبيل بسطر واحد لا يتضمّن أيّ تعليل قانوني لسبب الردّ، ولا يتطرّق القضاء للمطالب القضائية الواردة من المحامين والتي تصرّ على تأمين مقابلة الضبّاط مع من تناولهم في إفاداته، وعطف عليهم جرماً ما، وهنالك تقارير تحليلية أودعت القضاء اللبناني وطلبنا إيداعنا نسخاً عنها، ولكنّ طلبنا لم يقترن بأيّة موافقة ولم نعرف أسباب الرفض والمنع وهو مخالف أساساً للقانون".
وشدّد المحامي البستاني على أنّ "عدم مواجهتنا بالشهود وعدم التطرّق لطلبنا بالاطلاع على تقويم لجنة التحقيق الدولية لإفادة الشاهد زهير الصدّيق يؤكّد بما لا يقبل الشكّ، انتفاء صدقية الصدّيق وعدم الركون إلى مزاعمه التي كانت المنطلق الأوّل والأساسي لتوقيف الضبّاط الأربعة".
وبعد هذا كلّه، تبقى ثمّة أسئلة لا غنى عن طرحها لأهميتها، فلمصلحة من يتمّ إقحام القضاء اللبناني في مخالفة القوانين بينما يفترض أن يقوم هو وحده بتنفيذ ما ينصّ عليه القانون الموضوع أساساً لحماية المجتمع والدولة والمواطن؟ ولماذا الإبقاء على الضبّاط قيد التوقيف الاحتياطي والاعتباطي والتعسّفي؟ ولماذا تسييس التحقيق بما يسيء إلى جوهر القضيّة المرجوة وهي كشف القتلة الحقيقيين؟
إنّ الإجابة عن هذه الأسئلة تقود إلى كشف اللثام عن"فرقة تضليل التحقيق" وربّما عمن يشّجعهم على إخفاء الحقيقة عن الشعب المنتظر لها، رحمة بهذا البلد الصغير غير القادر على تحمّل تداعيات جريمة اغتيال الحريري، فهل من يملك الشجاعة لقول الحقيقة الغالية والنفيسة؟
علي الموسوي
الانتقاد/العدد1224ـ 20 تموز/يوليو2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018