ارشيف من : 2005-2008

فلسفة الزواحف

فلسفة الزواحف

جاء في أمثال كونفو شيوس ما يلي:
يخاطب ثعلب مقيم في قاع بئر، مجموعة من الطيور، تحلق فوق المدى الضيق من السماء، قال: صفوا لي المكان الذي تقيمون فيه والمدى الذي تطيرون في أرجائه، قالت العصافير والطيور وكل ما له جناح: السماء فراشنا، النجوم المذهبة وساداتنا، القمر العسلي ضوؤنا المسائي، الغيوم ثياب بألوان الأفق والعيون الزرقاء والشمس ملكة تشرق من خلف الجبال، وتتنفس خلف أمواج البحار.
فوجئ الثعلب بعالم الطيور، دهش من حكايات السماء وشعر بحسرة كبيرة وحزن شديد.
سأله الطيور، وكل ذي جناح، وكيف هي حالك في قعر البئر.
قال الثعلب: هنا، لا أمكنة، دائرة مقفلة، سماء مقفلة، كلام بعيد المدى قعود في العتمة، الماء آسن، الهواء ثقيل.
أيها اللبنانيون، ماذا تختارون؟ قعر البئر أم سماء الخفقان.
وحدث، أن فريقاً من اللبنانيين كسر أجنحته، لوى عنقه، فعاد يكرر، آسن، مظلم، يدور حول نفسه، يستغيث بغيره، طالباً  الخروج من ظلمة اختارها مكاناً لإقامته.
وحدث، أن فريقاً آخر، كان في البئر، تحت نير الاحتلال، قرر أن يضع في إرادته أجنحة له، فتح بدمه آفاق السماء، حلّق عالياً فوق الضرورات والحتميات، وانطلق إلى الحرية بشروط اتساعها، وأجنحة نذرت ريشها لنزهة الآفاق البعيدة.
الفريق الأول، أنكر على الأجنحة طيرانها، وعلى العيون الرانية ريادتها، أنكر الشهادة والإرادة والصلابة، رأى أن كلفة التحليق في غاية الخطورة، فقد تتعرض لإطلاق نار مركز، قد تفسد السماء بالدمار، قد تمنع المن والسلوى وأعطيات السماء، قد تقود الصيف إلى حتفه، وتعرض الوطن للانتصار، وحماية الانتصار تحتاج إلى مناكب أقوى من مناكب القتال والمقاتلين.
الفريق الثاني، رفض ثقافة الحفرة، انتهى من عقيدة رأس النعامة، ألقى تقاليد تقبيل الأيدي، وعبادة الأوثان السياسية القاتلة، كفر بالتراب وحفنة الإقامة فيه، رأى في ثقافة التحدي حياة، وفي رفض الذل نضارة للروح، وفي الحرية كأنها إحدى فضائل السماء، وبشائر الناس، وخلاص البشر. ارتقى البئر بعزمه، تسلق الجدران الآسرة، حفر في الحيطان أسماء الصعود، وأفعال الارتفاع، وشروط الترقي، ابتدع آية الصداقة الدائمة بين الحياة والموت، تحرّر من شرطية الرخص، من جعل الحياة البشرية مطية، أو متكأ أو حظيرة، أسس للحياة/ السماء، للحياة/ البلاء، للحياة/ الوجود، للحياة/ العطاء، للحياة/ للكرامة، للحياة/ بشروط الحرية.
فريق لبناني، رفض أن يستبقي أجنحته، خاف عليها من أشعة الحرية، فاطمأن إلى سكنى الدجاج، في أقنان السياسة، وتحت قيود البقاء لمجرد البقاء.
يقول "كونفوشيوس"، كانت رغبة الثعلب في قعر البئر، أن تنتشله الطيور المجنحة، كي يرى العالم برحابته، وأبعاده وشموله وتلويناته المتعددة، كي يرى الفصول الأربعة، وتتابع الأيام، وحركة الكواكب وعمق الليل، ووضوح النهار، كان يرغب أن تحمله الطيور إلى مواطن الأعشاش العالية.
لكن فريقاً لبنانياً وأفرقاء عرباً، فضلوا أن ينحازوا إلى الآبار، فابتدعوا فلسفة السقوط الجميل، والاستكانة الناعمة، وثقافة الهدايا، وعقائد الاتكال، ولكي يبرروا خيارهم هذا، استشهدوا بمن يشبههم في العالم من دول ومنظمات وجمعيات وهلم جرا.
هم يعرفون أن العالم يريدهم من الزواحف فأطاعوه، والشبيه يدرك الشبيه.
عذراً أيها العالم نحن لسنا من الزواحف.
الآبار سكنى الجبناء.
الآفاق مسكن الحرية.
هذا بعض ما يقال في ذكرى الانتصار..
نصري الصايغ
الانتقاد/العدد1224ـ 20 تموز/يوليو

2007-07-20