ارشيف من : 2005-2008
واشنطن وفريقها على مفترق طرق: التسوية أو الهاوية
هل انطلقت الخطوة الأولى في رحلة الألف ميل لإيجاد مخرجٍ ما للأزمة اللبنانية التي تعاني منذ مدة حالة انسداد كاملة، ودوراناً في الحلقة المفرغة، وبالتالي هل بات يحق للبنانيين الشعور بشيء من الأمل، أم أن ما كتب قد كتب، وانتهى الأمر؟ إلى ما قبل أسبوعين من الآن، كان يبدو واضحاً للجميع، أن بقاء الأمور على ما هي عليه من الجمود، وثبات الأطراف المتصارعة على مواقفها وخططها، لن يعني إلا أمراً واحداً:
اندفاع الأوضاع نحو الخيارات القصوى، وفرض السيناريوهات السيئة والأسوأ نفسها، الأمر الذي سيترتب عليه حالة عامة من الفوضى السياسية والدستورية وربما الأمنية أيضاً.
ولمزيد من الإيضاح نقول، كان جلياً أن فريق السلطة بوصفه الأداة التنفيذية للمخطط الأميركي في لبنان، مصر على استراتيجيته الخاصة بالإمساك بكل مواقع السلطة بدءاً من مجلس النواب مروراً بالحكومة، ووصولاً إلى سدة رئاسة الجمهورية، وكان واضحاً أيضاً أن تركيز واشنطن وفريقها في لبنان كان منصباً على كيفية تحقيق هدف الإمساك بموقع رئاسة الجمهورية، إلا أن هذا الفريق سرعان ما اصطدم بجملة حسابات وعقبات أبرزها:
أولاً: العقبة الدستورية المتمثلة بمسألة نصاب جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، وفي هذا الإطار سارع فريق السلطة إلى افتتاح معركة مع المعارضة حول مسألة النصاب لتثبيت إمكان إجراء الانتخابات وفق نصاب النصف زائد واحد، وبدعوة من نائب رئيس المجلس إذا لم يقم الرئيس بري بتوجيه الدعوة إلى انتخاب رئيس جديد، وفي سبيل ذلك أخذ يجند آراء دستورية مدفوعة الثمن لتوفير الحجة الدستورية والقانونية لخطوته هذه.
ثانياً: العقبة المسيحية والمارونية تحديداً. صحيح أنه لم تصدر مواقف واضحة وحاسمة ابتداءً، إلا أنه كان واضحاً لمجمل القوى المسيحية أن تأسيس عرف انتخاب رئيس جمهورية مسيحي وفق نصاب النصف زائد واحد، ليس من مصلحة المسيحيين البعيدة المدى، وإن كان البعض رأى فيها مصلحة آنية، ولذا سرعان ما أخذت تتوالى الأصوات المسيحية رافضة إجراء انتخابات الرئاسة وفق صيغة النصف زائد واحد، والتي توجها مؤخراً البطرك الماروني على نحوٍ لا لبس فيه ولا غموض.
ثالثاً: العقبة السياسية المتمثلة بردود الفعل التي يمكن أن تلجأ اليها المعارضة في حال إصرار فريق السلطة على لعب ورقة الانتخابات الرئاسية بالشكل الآنف. فالمعارضة أعلنت صراحة أنها لن تقف موقف المتفرج، وأنها لن تسمح لفريق السلطة بإنجاح انقلابه السياسي بقوة الأمر الواقع، وفرض تصوراته السياسية عنوة على الآخرين، الأمر الذي عنى صراحة، أنه في حال إقدام فريق السلطة على انتخاب رئيس بنصاب النصف زائد واحد، فإن المعارضة قد تلجأ بدورها الى انتخاب رئيس وتشكيل حكومة، ما يعني في خلاصة الأمر دفع الأوضاع الى الهاوية، بدلاً من المراوحة على حافتها.
ومع ذلك، كان يمكن القول، إن الأطراف الأكثر أمركة في فريق السلطة كجعجع وجنبلاط، لا تمانع من الاستجابة التامة للمطلب الأميركي في دفع الأمور نحو الفوضى الشاملة. فواشنطن لا يهمها كثيراً الى أين يمكن أن تصل الأمور في لبنان ما دام يخدم أهدافها في المنطقة ولمصلحة الكيان الإسرائيلي.
لكن أمراً ما بدا أنه آخذ بالتغير يمكن تلمس عناوينه الإقليمية والدولية بالتالي:
أولاً: تفاقم مأزق بوش وإدارته في العراق على نحوٍ أخذت فيه أصوات الشيوخ الديموقراطيين والجمهوريين تطالبه بوضع خطة انسحاب من العراق، وضرورة العمل بشكل كامل بتوصيات بيكر ـ هاملتون، أي الكلام بشكل جدي مع إيران وسوريا.
ثانياً: تسجيل الملف النووي الإيراني تطورات تؤثر على اتخاذه سكة معالجة غير السابقة، من شأنها إذا أكملت أن تطفئ الجبهة الرئيسية التي ما فتئت تهدد باندلاع مواجهة حربية بين واشنطن وإيران، أو بين الكيان الإسرائيلي وإيران، أو بين واشنطن والكيان الإسرائيلي وإيران.
وهذا التطور ليس بالقليل الأهمية في انعكاساته العامة لأنه سيحرم الاتجاه الذي يدفع بإدارة بوش الى ممارسة سياسة الهروب الى الأمام عبر شن حرب على طهران كورقة رئيسية، ما سيجعل إدارة بوش محكومة بخيار التفاوض ليس إلا.
ثالثاً: التمايز الذي أخذت تسجله السياسة الخارجية الساركوزية عن السياسة الأميركية تجاه المنطقة ولبنان، صحيح أن الساركوزية تتطابق في العناوين العامة مع السياسة الأميركية، إلا أن اعتبارات المصالح الموضوعية، والحسابات الخاصة بكل طرف، من شأنها أن تحدث تمايزاً بين الاثنين حين النزول الى أرض المصالح والواقع معاً.
ففرنسا لا يمكن أن توافق على انهيار الأوضاع في لبنان، كما لا يمكنها أن تسلم بضعف الدور المسيحي الذي يبدو اليوم مهدداً بجملة أخطار مصدرها جهة محددة ومعروفة.
ولذا، يبدو من مصلحة فرنسا إيجاد تسوية في لبنان تحميه من الأخطار، وترد الاعتبار الى المسيحيين، وتحافظ بالتالي على مصالحها فيه.
في هذا السياق العام يمكن إدراج مجمل الحركة السياسية والديبلوماسية لفرنسا تجاه لبنان والمنطقة.
رابعاً: المفاجأة التي سجلها التكتل الطرابلسي برئاسة النائب محمد الصفدي في مرمى فريق السلطة، عندما أعلن على نحوٍ حاسمٍ وقاطع أنه لن يشارك في انتخاب رئيس للجمهورية بنصاب النصف زائد واحد، وكان قد سبق التكتل الطرابلسي مواقف مماثلة لعدد من النواب والشخصيات المؤثرة كالنواب بهيج طبارة والنائب بطرس حرب وروبير غانم ومصطفى حسين وغسان تويني وصولاً الى موقف البطرك صفير.
لا شك، في أن هذا الموقف أوقع في يد فريق السلطة، لأنه عنى بشكل رئيسي التالي:
أ ـ حرمان واشنطن وفريق السلطة من لعب ورقة نصاب النصف زائد واحد.
ب ـ توفير مناخات أكثر ايجابية لتشكيل حكومة وحدة وطنية.
ج ـ تشريع أبواب التسويات انطلاقاً من أن لا انتخابات رئاسية بدون التوافق على اسم الرئيس.
إن إسقاط ورقة نصاب النصف زائد واحد، شكل نقلة نوعية ومهمة على رقعة الأزمة اللبنانية، إلا أنها تبقى نقلة غير حاسمة ونهائية، فهذه النقلة وضعت واشنطن وأدواتها في لبنان على مفترق طرق أساسي، فإما أن يختارا طريق التسوية والتفاهم، وإما أن يركبا رأسيهما ويصرّا على الذهاب الى النهاية، وحينئذٍ سيتحمل هؤلاء مسؤولية كاملة لما ستؤول اليه الأمور.
مصطفى الحاج علي
الانتقاد/العدد1224ـ 20 تموز/يوليو2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018