ارشيف من : 2005-2008
بعد مرور عام على تحقيقه..الانتصار اللبناني على الكيان الصهيوني بعيون عراقية
بغداد ـ عادل الجبوري

في ساحة مظفر عند المدخل الجنوبي لمدينة الصدر الواقعة شمال شرق العاصمة العراقية بغداد، لا يمكن للمار من هناك الا ان يلاحظ الجدارية الكبيرة للامين العام لحزب الله اللبناني السيد حسن نصر الله، حيث شيدت تلك الجدارية العام الماضي خلال وقت قصير بعد الانتصارات التي حققتها المقاومة الوطنية اللبنانية على الكيان الصهيوني. ولعل وجود جدارية كبيرة للسيد نصر الله في بغداد ينطوي على دلالات ومعان كثيرة، وحينما توقفت عند تلك الجدارية وتحدثت مع بعض الاشخاص هناك، قال لي احدهم انها ليست الجدارية الوحيدة فبإمكانك ان تشاهد جداريات اخرى لذلك الرجل الشجاع، ويقصد السيد حسن نصر الله، والى جانبه زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر.
وفي مثل هذا الوقت من العام الماضي فإن اجواء ومناخات الحرب في لبنان والانتصارات الباهرة التي سطرتها المقاومة الوطنية اللبنانية لم تكن بعيدة عن العراقيين بمختلف شرائحهم وفئاتهم الدينية والسياسية والاجتماعية والثقافية والفكرية، بصرف النظر عن الانتماءات والعناوين المذهبية والدينية والطائفية، برغم الاوضاع والظروف المضطربة التي كان ولا يزال يعيشها العراق في ظل الاحتلال الأجنبي ـ وتحديدا الاميركي ـ وفي خضم عملية سياسية معقدة في سياقاتها ومساراتها، وفي ظل واقع حياتي صعب ومرهق الى حد كبير.
فما زالت الذاكرة مزدحمة بمشاهد المسيرات والاحتفالات والمهرجانات التي اقيمت ونظمت في مدن عراقية مختلفة الى جانب بيانات الاستنكار والتنديد بالكيان الصهيوني والاشادة والتأييد للمقاومة الوطنية المتمثلة بحزب الله، ولم يكن الحيز الذي شغله الحدث اللبناني على امتداد سبعة او ثمانية اسابيع قليلا او هامشيا في وسائل الاعلام العراقية المختلفة وكذلك في الاوساط والمحافل السياسية المتعددة، وفي الشارع العراقي على وجه العموم.
وحينها قلنا في مقال بالمناسبة انه لم تشهد الساحة العراقية بتنويعاتها واطيافها السياسية والثقافية والفكرية والاجتماعية المختلفة موقفا موحدا تجاه قضية اقليمية او دولية كالموقف من الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، والانتصار التاريخي الذي حققه حزب الله على الكيان الصهيوني.
وبالفعل فإن الساحة السياسية العراقية الحافلة بالخلافات والاختلافات والتناقضات الحادة حول قضايا كثيرة، التي قد تصل في بعض الاحيان الى نقاط حرجة وحساسة للغاية، وجدت نفسها موحدة في مواقفها وتوجهاتها وخطاباتها بشأن عدوان الثاني عشر من تموز/ يوليو من العام الماضي، وبرغم هويته الشيعية، فإن حزب الله حظي بتثمين وتقدير واجلال واكبار اكثر القوى والتيارات تطرفا من الناحية المذهبية والطائفية، وكذلك حظي بنفس القدر من التقدير والاجلال والاكبار من اكثر القوى والتيارات التي ترفض اقحام الدين ورجالاته في عالم السياسة وتجاذباتها.
ووجود جدارية كبيرة في واحدة من الساحات الرئيسية للعاصمة العراقية للسيد حسن نصر الله، لم تتعرض طيلة اكثر من عام لاي تخريب او تدمير او اعتداء بصورة او بأخرى على عكس صور وجداريات لشخصيات سياسية عراقية يثبت بوضوح الحقيقة التي اشرنا اليها آنفا، فالمعروف ان حزب الله اللبناني يعد عدوا رئيسيا وحقيقيا للولايات المتحدة الاميركية وحليفها في المنطقة الكيان الصهيوني، والمعروف ان العراق خاضع من الناحية الواقعية للاحتلال الاميركي، وان وجود القوات الاميركية في هذا البلد له تأثير كبير على الواقع العام فيه. ومن المستبعد ان لا تشاهد الدوريات والارتال العسكرية الاميركية التي تجوب شوارع مدينة الصدر وغير مدينة الصدر على امتداد الساعات والايام، تلك الجدارية الضخمة وجداريات وصور اخرى غيرها، وتتوقف عند مغزى وطبيعة وحقيقة وجودها في العراق.
ومضافا الى تلك الجداريات فإن اعدادا كبيرة من "البوسترات" التي تصور انتصار المقاومة الوطنية اللبنانية في ذكراه السنوية الاولى غطت جدران مبان في مدينة الصدر ببغداد وفي مدن عراقية اخرى في جنوب العراق ووسطه، الى جانب ذلك فإن احتفالات ومهرجانات وملتقيات نظمت احياء للمناسبة في اكثر من مدينة عراقية، وان لم تسلط عليها وسائل الاعلام الاضواء كثيرا، وربما يعود ذلك الى ازدحام المشهد السياسي العراقي بعدد كبير من القضايا الساخنة والحساسة والخطيرة والملحة.
واللافت للانتباه ان الجهات والاطراف العراقية التي حرصت على الاحتفاء بذكرى الانتصار اللبناني على الكيان الصهيوني، هي تلك التي تبنت منذ البداية مواقف رافضة للاحتلال الاميركي للعراق تحت أي مسمى من المسميات، في ذات الوقت فإنها تعاطت مع الحدث من منظار وطني اسلامي باعتبار ان معيار المصالح والحسابات السياسية قد لا يفرض نفسه هنا كثيرا لاسباب عدة، ولكن ما يفرض نفسه هو جملة من الثوابت الوطنية والاسلامية وحتى القومية والانسانية.
ماذا تشعرون وانتم تستعيدون ذكرى احداث ووقائع تاريخية تمثلت بانتصار المقاومة الوطنية اللبنانية على الكيان الصهيوني قبل عام؟
حينما طرحنا هذا السؤال الواضح والمحدد في صيغته على عينات من شرائح اجتماعية مختلفة في المجتمع العراقي، جاء الجواب واحدا من حيث المضمون وان اختلفت اساليب التعبير والمفردات والمصطلحات.
فالسيد علي الياسري (طالب جامعي -23عاما)، والسيدة ازهار حامد الشيخلي (ناشطة في حقوق الانسان)، والدكتور كريم السعدون (باحث في تاريخ العراق)، والشيخ عبد الرحمن عبد الرزاق (امام مسجد)، والاستاذ جوتيار حمه سعيد (مدير مركز لحقوق الانسان)، والصحفي احمد عبد الرحمن سلمان، كل هؤلاء اكدوا ان ذكرى انتصار المقاومة الوطنية في لبنان لا تختلف بالنسبة لهم عن اية ذكرى لمناسبة وطنية عراقية، وان احياءها كان سيكون متميزا وكبيرا لو ان الاوضاع العامة للعراق على ما يرام، وان السيد حسن نصر الله لم يعد بعد الثاني عشر من تموز/ يوليو الماضي زعيما لحزب فحسب، اذا كان كذلك قبل هذا التاريخ، بل انه بات زعيما عالميا لا يجاريه رؤساء وملوك وأمراء دول، واصبح رمزا حقيقيا للمقاومة، وهذا ما اعترف به الاعداء قبل الاصدقاء، ويكفي ان نبحث فيما قاله سياسيون وكتاب وأناس عاديون في "اسرائيل" حول ما حصل وما تحقق العام الماضي.
وصور السيد نصر الله ـ هكذا يقول الذين تحدثنا اليهم ـ لم ترتفع في شوارع ومدن العراق اعتباطا، بل انها ارتفعت لانها تعبر عن اشياء قد تعجز الكلمات عن التعبير عنها.
الانتقاد/العدد1224ـ 20 تموز/يوليو2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018