ارشيف من : 2005-2008

بين الزلازل والتوظيف السياسي في الزلازل

بين الزلازل والتوظيف السياسي في الزلازل

سبعة قتلى ومئات الجرحى وتهدم مئات الأبنية وتشرد عشرات الألوف من السكان وانقطاع إمدادات الماء والكهرباء، ودمار العديد من الجسور وطرق المواصلات، وخسائر مادية بعشرات المليارات من الدولارات. تلك هي المحصلة غير النهائية، فيما يبدو، لسلسلة الزلازل التي ضربت منطقة نييغاتا في الشمال الغربي للأرخبيل الياباني، والتي سجل أقواها 6،8 درجات على مقياس ريختر في مدينة كاشيوازاكي. وقد احدثت الهزات تشققات في الأرض بعرض نصف متر في بعض الأمكنة، وصاحبتها موجات تسونامي صغيرة لم ترتفع فيها الأمواج إلى أكثر من نصف متر، غير أن حالة الرعب كانت شديدة بين السكان.

سلسلة الهزات لم تكن مفاجئة بحد ذاتها. فالزلازل أمور تقع واليابان معروفة بوقوعها في منطقة من بين الأشد خطورة في العالم على نقطة الاحتكاك بين أربع كتل جوفية متحركة. وقد سبق لليابان أن تعرضت، في العام 2004، إلى زلزال بقوة 6،8 درجات على مقياس ريختر أوقع أربعين قتيلاً وألحق اضراراً متفاوتة بستة آلاف منزل. في العام 1995، أوقع زلزال بقوة 7،2 على مقياس ريختر 6433 قتيلاً، بينما زاد عدد الضحايا نتيجة الزلزال الذي ضرب اليابان، عام 1923، على 140 ألف قتيل. رقم يوازي عدد ضحايا القنابل الذرية الأميركية التي ألقيت على هيروشيما عام 1945. لكن ما يمكن وضعه في خانة المفاجأة ينتمي إلى ما تمكن تسميته بالارتدادات السياسية أو التوظيفات "الحضارية" للزلازل، حيث غالباً ما يصار إلى استخدامها، لأغراض الهيمنة، في التشنيع بأشكال مباشرة أو غير مباشرة على أنظمة الحكم في البلدان النامية، خصوصاً عندما تبلغ ضحاياها الملايين ويصار إلى تفسير ذلك بتهم من نوع الإهمال وتقصير الحكومات والتخلف في نظم البناء. فالمعروف في هذا المجال أن اليابان غالباً ما تقدم على أنها بلد مقاوم بامتياز للزلازل بفضل التقدم التقني في هندسة الأبنية وبفضل حرص الدولة "الديموقراطية" على سلامة المواطنين (خلافاً لما عليه الحال في البلدان المحكومة ديكتاتورياً، وفق المصطلحات الشائعة)، حتى أن التقارير حرصت على الإشارة إلى أن أحد الضحايا قد مات لسبب آخر لا علاقة له بالزلزال!
وفي الإطار نفسه، لم يخل الخطاب الإعلامي من توظيفات مشابهة في ما يخص المفاعلات النووية اليابانية الموجودة في المنطقة التي ضربها الزلزال الأخير. فقد جاءت التقارير الأولى لتؤكد أن المفاعلات الثلاثة قد أوقفت نفسها "أوتوماتيكياً" عن العمل فور حدوث الزلزال، في إشارة مباشرة إلى عظمة التكنولوجيا والتقدم العلمي في اليابان، ولتؤكد أيضاً عدم حدوث أية تسربات إشعاعية.
لكن التقارير اللاحقة عادت وتحدثت عن إشعاعات ولكن بكميات ضئيلة. وبالطبع، فإن أحداً لا يتمنى إلا الخير لليابان وغيرها خصوصاً عندما تكون المسألة من نوع الكوارث الطبيعية التي لا يملك الإنسان إزاءها غير التعويل على رحمة "الطبيعة" وعلى التسلح بما أمكن من وسائل الاحتياط والحماية، ولكن دون المبالغة في تصوير هذه الوسائل كما ولو انها تشكل حاجزاً لا يقهر أمام غضب الطبيعة، ودون المبالغة في تصوير الإنسان المتسلح بالتكنولوجيا كما ولو انه قد اصبح سيد الطبيعة بلا منازع. فالزلازل وغيرها من الكوارث الطبيعية، وخصوصاً الكوارث البيئية الناجمة عن السلوك البشري المتسلح بالتكنولوجيا تحديداً، تحتاج، بدلاً من الاستمرار في التبجح بعظمة التقدم، إلى شيء من التواضع القائم على رؤية أكثر "إنسانية" تراعي قدرات الإنسان وحاجاته الحقيقية، وبالتالي إلى حضارة جديدة من شأنها أن تضع حداً، قبل فوات الأوان، أمام الكارثة البيئية، وربما أيضاً أن تحد من أخطار الكوارث الطبيعية غير الخاضعة للقرار البشري. حدود تلك الحضارة الجديدة قد يمكن رسمها ابتداءً من التساؤل التالي:
أيهما أفضل للإنسان: أن يعيش داخل مبنى كلما ازداد حجمه وثقله أصبح أكثر هشاشة أمام ضربات الطبيعة، وأكثر خطورة على حياة الإنسان، أم أن يعيش في بيت لو سقط على الإنسان لما ألحق به ضرراً يذكر؟ أغلب الظن أن كثيرين لا يمكنهم تصور وجود مثل ذلك البيت، مع علمهم ان حضارات كبرى ورائدة نشأت داخل بيوت الشعر والخيم. وأغلب الظن أن الذين ماتوا تحت أنقاض الزلازل وغيرها من الكوارث هم، فيما لو أمكن استفتاؤهم، أكثر قدرة على تصور الحلول "الحكيمة" من البشر الأحياء الذين لم يتعرضوا بعد لتلك الكوارث. شيء مؤسف حقاً!   
ع.ح.
الانتقاد/العدد1224ـ 20 تموز/يوليو2007

2007-07-20