ارشيف من : 2005-2008

تعمق الانقسامات الأميركية حول العراق

تعمق الانقسامات الأميركية حول العراق

القضاء على تنظيم القاعدة كان في مقدمة الأهداف المعلنة للحرب العالمية التي أطلقتها الإدارة الأميركية على ما يسمى بالإرهاب، في أعقاب الهجمات على نيويورك وواشنطن في 11/9/2001.
حرب بدا للكثيرين وقتها أنها ستشكل نقطة الانطلاق في عملية كاسحة ستنتهي سريعاً بإقامة الإمبراطورية الأميركية العالمية كنهاية حتمية للتاريخ.
وسواء تعلق الأمر  ـ على مستوى الأهداف الحقيقية ـ بأفغانستان أو بالعراق، اللذين استهدفهما التدخل الأميركي العسكري المباشر، أو بلبنان الذي اعتدت عليه "إسرائيل"، في تموز/ يوليو 2006، بتوكيل أميركي، أو بفلسطين التي تشهد مرحلة مفصلية في التمايز بين قوى التحرير، من جهة، وقوى اللهث غير المجدي وراء الوعود العرقوبية بدولة فلسطينية هزيلة تحت الجناح الإسرائيلي، من جهة ثانية... بينت جميع التطورات أن حسابات البيدر الأميركي قد جاءت، بعد ست سنوات من الجهود المضنية، كارثية بالقياس إلى حسابات الحقل.
ولم تأت الحسابات أقل كارثية على مستوى الهدف المعلن، سواء كان تنظيم القاعدة أو غيره هو صاحب المسؤولية عما جرى منذ العام 2001، وسواء كان هذا التنظيم يخدم أهدافه المعلنة، أم يخدم أهدافاً أخرى.
فالحقيقة أن الحرج الذي تشعر به الإدارة الأميركية كبير جداً إزاء العجز عن استئصال التنظيم وتصفية قادته، برغم السجون السرية وغوانتانامو، وبرغم المبالغ المالية الضخمة التي تخصص كمكافآت لمن يغتال بعض قادة التنظيم أو يقدم معلومات عنهم.
وآخر التطورات في هذا المجال، هو حديث وسائل الإعلام الأميركية، نقلاً عن مصادر استخباراتية، عن كون التنظيم قد تمكن من إعادة بناء نفسه وبأن قدرته على التحرك، حتى داخل الأراضي الأميركية، قد عادت إلى المستوى الذي كانت عليه عشية تفجيرات أيلول/ سبتمبر.
وقد انتقد الرئيس بوش هذا التقرير معتبراً أن تنظيم القاعدة كان بإمكانه أن يكون أقوى مما هو عليه لولا أعمال المكافحة التي تقوم بها إدارته، لكنه أكد أن قوته ليست بالمستوى المذكور، وإن كان قد أكد بأن افراده خطرون وبأن وجودهم يملي على الولايات المتحدة ضرورة الانتصار في أفغانستان والعراق وفي كل مكان يوجد فيه الإرهاب.
كلام عن الانتصار كان قد لقي قبولاً عام 2001. لكن تكراره بشكل آلي عام 2007، أي بعد كل حصاد الفشل الأميركي المسجل حتى الآن، يحتاج إلى الكثير من التأويل لنعرف ما إذا كان تعبيراً عن الهوس المتمثل بمواصلة القفز في فراغ الحروب الخاسرة، أم عن السعي اليائس لكسب مزيد من الوقت إزاء تصاعد حالة رفض مواصلة الحرب في الشارع الأميركي وفي الكونغرس على السواء، أم عن استمرار لعبة تخويف الأميركيين من الأخطار الإرهابية المحدقة بهدف استجداء دعمهم لاستمرار الحرب، أم عن النية في توسيع دائرة الفوضى عبر الحديث عن تمركز القاعدة في باكستان؟
وأياً كان الأمر، فإن تجربة الحرب في العراق وما أسفرت عنه من فشل هي أحد التعبيرات الكبرى عن الواقع الذي لا يحتاج معه إلى أي تأويل.
فقد صدر الأسبوع الماضي أول تقرير عن مجلس الأمن القومي لتقويم الوضع منذ الإعلان، في كانون الثاني/ يناير الماضي، عن استراتيجية بوش الجديدة التي تم بموجبها تمويل إرسال 28 ألف جندي أميركي إضافي إلى العراق، والتي ينتظر كل من الكونغرس والشارع الأميركي أن تغير مسار الحرب باتجاه تحقيق الأهداف الأميركية. وبالجملة بيّن التقرير أن التقدم غير كاف على مستوى ما يزيد عن نصف الأهداف المعلنة للاستراتيجية الجديدة.
أما الأسباب فتراوحت، على ما يقوله التقرير، بين عجز حكومة المالكي عن الإمساك بدفة الأمن، وفشلها في إعادة عناصر النظام البعثي إلى الوظائف العامة، وبين الإصرار السوري والإيراني على إلحاق الهزيمة بالجيش الأميركي عبر التدخل المباشر وغير المباشر في الساحة العراقية. وبالطبع، تجنب التقرير أية إشارة إلى القصور الذاتي الذي يعاني منه الجيش الأميركي، أو إلى تصاعد قدرات المقاومة العراقية. وفي الوقت ذاته، تلقى الرئيس بوش صفعة جديدة عبر تصويت الكونغرس، بأكثرية 223 صوتاً مقابل 201، على مشروع قانون يقضي بانسحاب الجيش الأميركي من العراق قبل حلول نيسان/ أبريل القادم.
والبارز في التصويت الجديد هو ارتفاع نسبة معارضي الحرب بالقياس إلى التصويت السابق وانضمام أعضاء جدد من الحزب الجمهوري إلى صفوف معارضي الحرب.  وفي أجواء التصويت، جاءت تصريحات المعارضين لتعبر عن تعمق الانقسام الداخلي الأميركي حول موضوع الحرب في العراق إلى حد دفع بعض المراقبين إلى القول بأن الإدارة الأميركية حاولت تقسيم العراق فكانت النتيجة أن العراق قد نجح في تقسيم الولايات المتحدة الأميركية.
 فهيلاري كلينتون السيناتور المرشحة للرئاسة عن الحزب الديمقراطي رأت أن الاستراتيجية الأميركية في العراق تتجه نحو الفشل. والسيناتور الديمقراطي، ديك دوربان، اعتبر أن الرئيس بوش قد فقد السيطرة على الوضع في العراق، وانه قد دفع العراق إلى المزيد من الفوضى. أما السيناتور هاري ريد، رئيس الكتلة الديمقراطية في مجلس الشيوخ فاعتبر أن على الشعب العراقي أن يتدبر شأنه الأمني، وذلك في إشارة صريحة إلى الرغبة في الانسحاب السريع من العراق.
وعلى كل ذلك، رد الرئيس بوش الذي وصلت شعبيته إلى أدنى المستويات بالمزيد من الصبر وبالمزيد من الشجاعة وبتقديم المزيد من التضحيات وبالمطالبة بمنحه المزيد من الوقت والمزيد من الاعتمادات المالية.
مطالب يبدو أنها لن تفعل غير المزيد من تدني شعبيته والمزيد من تصاعد الاستياء إزاء استمرار الحرب.
وإلى ذلك، وجه بوش إلى الديمقراطيين تهمة العمل لتحقيق أهداف سياسية، فيما انبرى مساعدوه إلى التمهيد للفيتو الرئاسي الجديد ضد مشروع الانسحاب الذي صوت عليه الكونغرس باعتبار أن قرار الحرب ليس من صلاحياته، كما ان صلاحياته لا تشتمل الطعن في قرارات العفو الصادرة عن الرئيس (في ما يتعلق بفضيحة العفو عن لويس ليبي، الذراع الأيمن لديك تشيني، المحكوم عليه بالسجن سنتين ونصف لارتكابه  عدة جنايات يعاقب عليها القانون).
حرب صلاحيات تعبر عن مدى تراجع الديمقراطية الأميركية أمام نوازع الرئيس الديكتاتورية، وعن مدى الانقسام الذي يضرب الطبقة السياسية الأميركية.     
عقيل الشيخ حسين
الانتقاد/العدد1224ـ 20 تموز/يوليو2007


2007-07-20