ارشيف من : 2005-2008
وهج الانتصار
ما أن انتصف شهر نيسان، وانتشر دفء الربيع المنعش.. حتى بدأ "أبو محمود" ممارسة عمله الموسمي.. في حديقة بيته.. المترامية الأطراف.. وعمله هذا أقرب إلى التسلية.. والتخلص من فراغٍ يعيشه.. بعد أن قارب عتبة السبعين من العمر..
وهو في واقع حاله.. مغترب متقاعد.. من عادة هذا الرجل الجنوبي أنه كثيراً ما يحادث نفسه.. أثناء أي عملٍ يمارسه.. ويستعيد أحاديث الآخرين في هذه القرية الجنوبية.. التي تدور في معظم الأحيان، عن هزيمة اسرائيل النكراء، أمام ثبات وعزيمة شباب المقاومة، خلال حرب تموز الأخيرة.. وكأن ما حدث شيء لا يصدق.. "أبو محمود" يحسّ بفرح عظيم يملأ قلبه، كلما عادت إلى ذاكرته أحداث هذه الحرب.. وتألق المقاومة أثناء تصديها للعدوان.. هو الآن يقف وسط الحديقة.. يتأمل بيته الذي أصابته قذائف العدو بشكل جزئي..
لا عليك يا رجل.. لقد أنجزت القسم الأكبر من الترميم، وإن شاء الله مطلع الصيف سوف تكون اللمسات الأخيرة لإزالة آثار الدمار، ويبقى صدرك عامراً بوهج الانتصار..
ومرت ساعات عمله المتقطع في الحديقة لهذا اليوم..
هو الآن يتجه نحو المدخل الخلفي للمبنى.. سالكاً ممراً ضيقاً ينتهي إلى قبوٍ قديم.. هو جزء من الطابق الأرضي.
علامات الانشراح والبهجة.. تعلو ملامح وجهه.. وقد عاد إلى مخيلته ما حدث هنا في ليلة من ليالي حرب تموز عندما اشتد قصف العدو الاسرائيلي وتوسع لمحيط البيت، ونحن في داخله، أنا و"أم محمود" وثلاثة أحفاد صغار.. كانت الساعة تشير إلى العاشرة مساءً... وصواريخ المقاومة تنطلق بكثافة مذهلة نحو مستوطنات شذاذ الآفاق داخل فلسطين المحتلة.. لتشكل رداً حاسماً على قصف العدو.
ومضى وقت ليس بقصير.. إلى أن هدأ القصف بعض الشيء.. "أم محمود" تتلو الآن آياتٍ من القرآن الكريم.. الأحفاد ينصتون خاشعين.. فجأة تسرب إلى سمعي صوت حركة مريبة خارج "القبو" حيث كنا نحتمي من القصف.. لكنها ما لبثت أن توقفت لتبدأ بعد دقائق من جديد .. يبدو أنها وقعات أقدام بشرية.. وسط حشائش جافة أخذت تقترب من باب "القبو" بحذرٍ شديد.. أحفادي الثلاثة يحيطون بي الآن و"أم محمود" إلى جانبي صامتة مذهولة .. ونبضات قلبي تدق بسرعة.. ماذا أفعل.. لا سلاح لديّ.. للدفاع عن أفراد عائلتي المحاصرة.. لا بد أنهم جنود صهاينة.. يحاولون دخول البيت.
إنهم مجرمون.. قتلة.. لا رحمة في قلوبهم.. بل حقد أسود لا حدود له..
الصمت يسود المكان من جديد .. الحركة تتلاشى الآن عند مدخل "القبو". مرت لحظات تمثلت أمام ناظري، كل المجازر الوحشية التي ارتكبها العدو بحق الإنسانية منذ نشأة كيانها الغاصب.
فجأة دقات خفيفة على باب "القبو" القديم مصحوبة بصوتٍ يضج بالحيوية. افتح يا عم.. وأنت مطمئن.. لا تخافوا.. أنا مقاومة .. جئت للاطمئنان عليكم.. نحن نعلم أنكم داخل "القبو" منذ أيام.. هنا أحسّ "أبو محمود" بهزة عنيفة تهز كيانه.. أعقبتها فرحة عارمة شملت أفراد هذه العائلة الجنوبية المحاصرة..
وبسرعة فتح الباب مرحباً بالغالي على قلبه واحتضنه قائلاً الله يحميكم يا ولدي أهلاً بك..
لم يستطع "أبو محمود" ان يتبين ملامح الشاب المقاوم جيداً ولكنه علم أن اسمه "حسن" وأنه جاء من الداخل.. للدفاع عن حدود الوطن. "حسن" يخاطب العائلة بصوت الواثق من نفسه عند باب "القبو" دون أن يدخل اطمئنوا انا ورفاقي موجودون في هذا المحيط.. شذاذ الآفاق لن يجرأوا على دخول القرية نحن لهم بالمرصاد..
ومرت عشرة أيام طوال.. تجلت العلاقة الطيبة خلالها بين عائلة "أبو محمود" وشباب المقاومة، وكانت "أم محمود" تقوم بتحضير الطعام بشكل يومي وتقديمه فرحة بكل طيبة خاطر وعبر "حسن" إلى أفراد المجموعة المقاومة، إلى أن كانت لحظات مؤثرة.
وأقبل "حسن" مسرعاً مخاطباً "أبو محمود" اسمعني جيداً يا عم عليكم مغادرة القرية خلال نصف ساعة وعبر المدخل الغربي لها، المعارك سوف تشتد ضراوة، لقد أصبحت اسرائيل الآن أشبه بذئب متوحش أثقلته الجراح وكونوا واثقين سوف تعودون إلى هنا قريباً ان شاء الله.. قال هذا وهو يتأمل وجه "أم محمود" وقد تذكر وجه أمه عند وداعها له، ولكنه تابع تأكدوا يا أحبائي أن هزيمة "اسرائيل" اصبحت حقيقة واقعة، ثم انطلق تتراءى أمام ناظره دموع "أم محمود" وقد أحست أنها تودع أحد أولادها.
غادر "أبو محمود" وعائلته القرية الجنوبية ومرت الأيام المتبقية من حرب تموز متوهجة بانتصارات تاريخية للمقاومة الوطنية إلى ان توقف العدوان الاسرائيلي على لبنان تحت وطأة ضربات المقاومة، وعمت الفرحة الكبرى، عندما بادر الجنوبيون بالعودة السريعة المظفرة إلى قراهم تملأ قلوبهم الفرحة بهذا النصر المؤزر.
اخيراً أفاق "أبو محمود" من تخيلاته وذكرياته عن حرب تموز بعد ان تسرب إلى سمعه صوت لم يكن غريباً عنه بادره صاحبه بالتحية مبتسماً السلام عليكم يا عم، وكانت مفاجأة سارة له إذ به يفاجأ بالشاب المقاوم "حسن" يقف أمامه.. "حسن" الذي كان مع رفاقه يقاتلون العدو الاسرائيلي في محيط الطرف الشرقي للقرية الحدودية، وبعد أن ضمّه إلى صدره مرحباً نادى بأعلى صوته فرحاً.. هيا.. أسرعي.. يا "أم محمود" لقد جاء "حسن" لزيارتنا بعد أن صدق وعده..
صبحي أيوب
الانتقاد/العدد1224ـ 20 تموز/يوليو2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018