ارشيف من : 2005-2008
الدروس النفسية والدعائية من حرب تموز 2006
يتفاوت التأثير الدعائي والنفسي والاعلامي بين حرب وأخرى، لكن مع عدو مثل الصهاينة يتصدر هذا الجانب من الحروب سدة الأولوية، إذ إن الدعاية والترويج للأساطير والأكاذيب والعناوين المضخمة، كانت اللبنة الأساسية في فبركة الكيان الصهيوني، ورافداً رئيسياً لعناصر استمراره، العسكرية منها والاجتماعية كما الدينية. منذ البداية لاحظت المقاومة في لبنان هذا الدور للدعاية والحرب النفسية، لكن حجم تأثير وسائل الاعلام آنذاك وعدد تلك الوسائل والبدائية النسبية في التجربة الاعلامية، كانت الحائل دون استخدام هذا السلاح بقوة، غير ان الأيام والسنوات بلورت المشهد وصقلت المضمون، حتى تحول أسلوب العمل في الإعلام الحربي التابع للمقاومة الإسلامية إلى مدرسة لها خصوصيتها وبصماتها التي لا تشبه سوى نفسها.
أما في حرب تموز 2006 فكانت الأبعاد النفسية والدعائية حاضرة في أغلب المفاصل، حتى حينما نتحدث عن الصواريخ وأحجامها وأسمائها وتوقيت إطلاقها.
الدعاية الصهيونية في تموز
برغم التراكم التاريخي الذي اشتغلت عليه الحركة الصهيونية قبل احتلالها فلسطين، وبرغم تضافر جهود وتجارب نمت في دول غربية مختلفة، أو حتى شرقية مثل مصر والعراق، وبرغم تداخل الدعاية بالدعوة الدينية، والمحفزات الأرضية بوعود سماوية، وبرغم ان الإعلام العالمي بشتى أقانيمه المرئية والمسموعة والمقروءة، كان الداعم بلا حدود للتجربة "الاسرائيلية"، برغم كل ذلك، ظهر الصهاينة في حرب تموز، كأغرار مبتدئين في الحرب النفسية ومشتقاتها.
ضعف في التوقيت، سذاجة في التصريح، تناقض في البيانات تضخيم في "الانتصارات"، تغييب للصورة، تعتيم للآراء، وغيرها وغيرها من الفظائع والهفوات التي تدل على ارتباك وتفكك في "المنظومة" المفترضة لإدارة ما أسموه هم بالحرب.
في تموز 2006 اشتغل الصهيوني على وسيلة دعائية بائدة، هي رمي المنشورات من الطائرات، والاتصالات التي تمت بالبيوت، التي تدعو بصوت عبري/ عربي إلى الاستسلام، مع شيء من الترغيب والترهيب. أيضاً عمل الاسرائيلي على اصدار البيانات التي ليس لها أي أصل ملموس تنطلق منه لبناء "مصداقية" ما مع الرأي العام العالمي، كأن يدّعي وجود عناصر ايرانية في لبنان تقاتل مع المقاومة، أو يقول إنها دخلت إلى قرية جنوبية، دون أن تطأها قدم صهيونية، وأحياناً كانت الحرب النفسية، غاية في السخرية والكاريكاتورية، حيث يصرّح وزير في حكومة العدو ببيان ناري، ثم يطل من بعده وزير آخر ليخفف من اللهجة، ويلجم جموح زميله غير المتوازن، حتى أن رئيس الوزراء أولمرت، وقع في فخ نصبته له الأجهزة العسكرية والمخابراتية، وذلك حينما أعلن قضاءه على منصات صواريخ حزب الله، بعيد إعلانه لهدنة اليومين، لكن في اليوم الذي تلى الهدنة كانت نسبة الصواريخ التي انهمرت على الصهاينة، هي الأكثر عدداً من الأيام التي سبقتها، التي لعبت على عنصر المفاجأة والصدم، في وقت كان فيه أولمرت يبحث عن طريقة يرمّم بها صورته المتفسخة أمام الجمهور "الاسرائيلي" الذي راهن على تلميذ شارون النجيب، دون جدوى.
المقاومة والصدق الدعائي
منذ اللحظات الأولى للحرب ظهر حزب الله ووسائل إعلامه، في غاية التماسك ووحدة الخطاب، لكن للقضاء على تناغم هذا المشهد، عمد "الاسرائيلي" إلى هدم مقرّي تلفزيون المنار وإذاعة النور، لكن الدهشة كانت في استمرار البث دون كثير جهد، وبانسيابية لم يشعر بها المشاهد أو المستمع. أما جريدة "الانتقاد" فقد عمدت إلى إصدار أكثر من عدد أسبوعياً لمواكبة الحرب، في حين كان موقع المقاومة على الانترنت في حالة هجومية دائمة.
أما على الأرض فقد كان القرار بالسماح لكل وسائل الإعلام بنقل مشاهد الدمار من الضاحية الجنوبية وقرى الجنوب والبقاع، وهو ما حجبته الرقابة الصهيونية عن جميع وسائل الإعلام عندها.
الدعاية الشعبية
كان للمواطنين العاديين الدور الكبير في الحرب النفسية، وتحديداً مع الشهادات التي تترفّع عن هدم منازلها وتبدد ممتلكاتها، فمن منّا ينسى تلك المرأة التي تحدثت عن هدم منزلها في الضاحية والمنزل الآخر الذي في القرية، وتقديمهما كقرابين على مذبح الوطن والمقاومة والشرف.
أيضاً من ينسى ريم حيدر تلك المواطنة التي تحدثت أمام كاميرا المنار عن المقاومة وسيدها ومعنى الكرامة والعزة بلسان طلق ونبض متوقد.
طبعاً كانت تلك العبارات الصادقة، سيوفاً في الحرب النفسية، خاصة اذا علمنا أن الماكينة الصهيونية كانت تعمل على كسر العلاقة بين المقاومة ومحيطها الشعبي.
خطاب السيد
مع اطلالاته التي كانت موقّتة كل أربعة أو خمسة أيام، ثمة شحنة من العزم والأمل والتحدي كانت تسري بين الناس بانسياب ذهني وقلبي.
فخطابات الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، أثناء حرب تموز، كانت تقدم العديد من الجرعات والرسائل، بعضها "للأهل" وبعضها "للداخل"، ومنها ما هو للجمهور العربي، ومنها ما هو للزعماء، كذلك كان هناك جزء لا بد منه للصهاينة وقادتهم، مع إشارات للمحرض والداعم الأميركي، في تلك الخطابات كانت الحرب النفسية في كامل تجلياتها، مع الطلة وشكلها، والنبرة وتدرجاتها والمضمون وخطورته... كل ذلك كان يستند إلى ركيزة الصدق التي ارتبطت بكلمات السيد ووعوده.
حتى أن التأثير النفسي لإطلالات السيد حسن نصر الله، كانت تحقق غاياتها بمجرد ظهوره على الشاشة بعيداً عن المضمون الذي تحمله، فأنت أمام قائد، استنفرت الأجهزة العسكرية والمخابراتية مع ما بينهما من وسائل تنصت لمعرفة مكانه.
هنا التأثير يصبح مضاعفاً والكلمة أكثر وقعاً.
في تموز 2007 نستذكر عبراً وعبارات مرّ عليها عام، فيها من الدروس ما يسمح بتعليق شهادة الدكتوراه على جدار كل منزل أو ركامه، دروس بعضها عسكري أمني، وبعضها اجتماعي اقتصادي، وبعضها نفسي دعائي، وقد نجحنا ورسبوا.
عبد الحليم حمود
الانتقاد/العدد1224ـ 20 تموز/يوليو2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018