ارشيف من : 2005-2008
قمة "إحياء الموتى"
هكذا، من دون سابق إنذار، ومن دون مقدمات مقنعة، فتحت الأدراج العربية، وانتشلت منها المبادرة العربية الأخيرة للسلام (هناك مبادرات كثيرة سابقة)، لتعود إلى جادة السياسة العربية.
من أيقظ المبادرة ولماذا؟
عندما وقّع الملوك والرؤساء العرب، عام 2002، على نص المبادرة، في فندق فينيسيا، أطلقت "اسرائيل" عليها النار، وأقفل العالم أذنيه، كانت الولايات المتحدة الأميركية آنذاك، قد فوّضت "اسرائيل"، جبهة فلسطين، "لمحاربة الإرهاب". أبو عمار في الأسر، البلدات الفلسطينية تحت الدمار وفي الأسر، المؤسسات الفلسطينية قيد القصف وفي الأسر، الشعب الفلسطيني يتعرض لحرب إبادة وكسر إرادة، والعرب الخائفون من العقوبة الأميركية، كانوا أيضاً في الأسر.
لم تكن الولايات المتحدة الاميركية بحاجة إلى مبادرة سلام أبداً، أخذت على عاتقها، بعد الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، صياغة منطقة الشرق الأوسط، وفق تصورها المعلن: إخضاع العرب لعقوبة "الديموقراطية"، وقصاص "السلام"، والندم على ما فات.
قبل هذه الاندفاعة المجنونة لواشنطن، كانت سياستها المرسومة في توصيات المحافظين الجدد، قد حرضت القيادات الاسرائيلية، من نتنياهو إلى شارون، على دفن "الأرض مقابل السلام"، وعلى الإقلاع عن التفكير "بالدولة الفلسطينية"، وعلى منح الفلسطينيين خياراً وحيداً: القبول بما تفرضه أو تعرضه "اسرائيل" عليهم، وبشكل منفرد.
وفيما كانت الولايات المتحدة تهندس احتلالها لأفغانستان، وتمهد لاحتلال العراق، وتسعى لتطويع الأنظمة الموالية لها، عبر "دمقرطتها" وفق الوجبات السريعة الأميركية، كانت "اسرائيل" تفرض وقائع عسكرية على الأرض، ولكنها لم تستطع قطف ثمار هذه الوقائع، عبر كسر إرادة المقاومة والانتفاضة والشعب الفلسطيني عامة.
وباءت سياسة واشنطن بالفشل. العراق يكبد الاميركيين خسائر، العنف يزداد، المقاومة تشتد، المأزق الأميركي يتعاظم، لا حلول سياسية متاحة، ولا حلول عسكرية ناجحة، وباءت سياسة إفزاع المنطقة وتخويفها بالفشل أيضاً.
ففلسطين، برغم المجازر الاسرائيلية، أنجبت بالاقتراع والوسائل الديمقراطية سلطة مقاومة، ولبنان أبدع انتصاراً نوعياً على اسرائيل في عدوان تموز/ يوليو 2006.
في هذه المرحلة، اختفت الأحداث العربية، نجحت في امتحان التزام "الشرعية الأميركية"، إلى أن ظهر في الأفق محور الاعتدال العربي، في مواجهة محور "التطرف الاقليمي" (إيران وسوريا ـ المقاومة في فلسطين وفي لبنان).
بماذا يتسلّح محور الاعتدال العربي!
جرّب تجربة الانحياز إلى "اسرائيل"، في بداية العدوان على لبنان، وفشل في الامتحان، جرّب الحصار على الفلسطينيين حتى الاختناق، ونجح في تجميع الخسائر. فأميركا الراغبة في دعم المعتدلين العرب، لم تنجح في "تمرير" خارطة الطريق، اسرائيلياً. لذا، كان لا بد من خشبة خلاص تبحر عليها الأنظمة العربية، لبلوغ الشاطئ الفلسطيني.
من أيقظ المبادرة بعد موتها؟
أموات ينجبون أمواتاً، ويعيشون بين الأموات، هذه حال بعض القادة العرب. لم يكلفوا أنفسهم عناء الوقوف إلى جانب الانتصار اللبناني، والقوة الفلسطينية والشعب العراقي المقاوم. قرروا أن سياسة العجز هي السياسة الفضلى. وساروا على هديها.
مبادرة السلام العربية، ستحظى ببعض الاستقبال الاعلامي، ولكنها لن تصل إلى أي عاصمة من عواصم القرار.
إن للذل العربي تاريخاً... يصار إلى تجديده.
إن للكرامة العربية تاريخاً مستقبلياً، يجب الذهاب اليه، محور الاعتدال العربي. يتسلح بمبادرة السلام، فيما "اسرائيل" تجري مناورات عسكرية يومية، والبوارج الحربية الأميركية تقوم بمناورات عملاقة في الخليج.
من يصدّق هذا "السلام" الرخو في مرحلة البحث عن أرض لمعركة عسكرية جديدة... قد تكون الأعظم، في التاريخ الحديث.
القمم العربية السابقة، كانت تقوم بواجب دفن قراراتها السابقة بالتتابع. هذه القمة، بدأت نهجاً جديداً يقوم على "إحياء الموتى".
نصري الصايغ
الانتقاد/ العدد1208 ـ 30 آذار/مارس 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018