ارشيف من : 2005-2008

"الصديق" القاتل

"الصديق" القاتل

يعيش الرئيس الفرنسي جاك شيراك، نوبة التهابات، يتصرف كمن يريد تصفية حسابات، لا كمن يكتب وصيةً. ليس بهذه الثأرية ينهي الرجال حياتهم

السياسية.‏

ان صح ما قيل عن حثّه "اسرائيل" على غزو سوريا، لإسقاط النظام، فإن سلوكه يدل على أنه أنهى حياته بتحوّله إلى قرصان دولي أو زعيم عصابة مافياوية، يستأجر قتلة لتنفيذ مقتلة يذهب فيها أبرياء طيبون، لا يعرفون بماذا أساؤوا إلى دولة فرنسا "الأم الحنون"، "صديقة العرب"، حاملة لواء حقوق الإنسان وفضائل "الديمقراطية" و... "مبادئ" الثورة الفرنسية.‏

ولقد صحّ ما قيل عن انحيازه إلى جورج بوش، فطوّب احتلال العراق بعد ممانعة ورفض، وقاد معركة مشتركة فرض فيها على لبنان قرارات دولية، ليس باستطاعة اللبنانيين تنفيذها بسلمية وهدوء واستقرار، وليس بمقدورهم تجاهلها أيضاً، لأنها صادرة عن أعلى هيئة دولية (أخضعت للثأرية المشتركة بين فرنسا والولايات المتحدة الاميركية) وليس من مصلحتهم الانقسام الحاد الذي وفّرت فقراته العديدة طعنات قاتلة في الجسد اللبناني.‏

ولقد صحّ ما قيل لأن السفير الفرنسي في بيروت، يتصرف وكأن لبنان مزرعة من مزارع المستعمرات في القرن التاسع عشر، وتستقبله قيادات لبنانية رسمية وطائفية وكأنه المرجع والمرشد الدبلوماسي، والآمر السياسي، وكاتب النصوص الرافضة لوحدة اللبنانيين في السلطة.‏

ولقد صحّ ما قيل أيضاً، عن دبلوماسية فرنسية كيدية، انتقلت بسرعة غير آبهة بالصفعات الاسرائيلية المتتالية لمحاولات طلب الرضا في اليمين الاسرائيلي، المتمثل بأرييل شارون (فرش له السجاد الأحمر) فاحتضن كواحدٍ من "رجال السلام" في العالم. ولقد ثبت بالدليل أن الدول المتقدمة لا تقدم على مثل هذه التغيرات السياسية، دفعة واحدة، وبهذا الأسلوب الذي يكدّس الخسائر المتتالية.‏

ولقد صحّ ما قيل كذلك، أن جاك شيراك، فصّل سياسته على قاعدة صداقاته الشخصية، فانحاز إلى فريق، وهذا حق له، وحاول عزل فريق، وهذا ظلم منه، وليس من حقوقه، وبات يتصرف، وكأنه قائد لغرفة عمليات الاطاحة بالحلول الممكنة، الحاضنة للبنانيين، بقواهم كافة.‏

من حق الرئيس شيراك، الذي فجع باستشهاد صديقه رفيق الحريري أن يقف مطالباً بإحقاق العدالة، والاقتصاص من القتلة، ومن حقه السياسي أيضاً دعم هذا المطلب، لأنه لا يجوز أن يبقى العالم غابة للمفترسين الذين لا يقفون عند حرمات أو مواقع، انما ليس من حقه أن يصدر الحكم المبرم، وأن يتخذ صفة المحقق، والمدعي العام، والقضاة، ويصدر الأحكام، ويقتص من قوى وأحزاب لبنانية تطالب وتصر على محكمة ذات طابع دولي، غير مسيّسة، وتكون مهمتها إحقاق العدل، وتنفيذ العقوبة، بالمجرم أو بالمجرمين، مهما كان وأياً كان.‏

ليس من حق الرئيس شيراك أن ينفث أحقاده الشخصية وتصل به الأمور إلى محاولة استئجار "قتلة العصر" المتكثلين بـ"اسرائيل" للزحف على دمشق ومعاقبة النظام.‏

ليس من حقه أن يتبنى ما قامت به "اسرائيل" ضد لبنان، ويمتنع عن دعم وقف إطلاق النار، والإصرار على دعم القصف والتدمير والقتل، الذي ذهب ضحيته مئات اللبنانيين. ليس من حق الرئيس شيراك أن تقول له "اسرائيل": لن نغزو دمشق. إنه لأمر مشين، أن يرفض من اعتاد الجريمة وارتكاب المجازر، أن يرتكب حرباً يطلبها منه شيراك.‏

أيهما أكثر إجراماً؟‏

إنها النهاية مخزية لرئيس دولة، كان يطلق عليه، صديق العرب.‏

إنها العدالة... حتى الموت..‏

نصري الصايغ‏

الانتقاد/العدد1207 ـ 23آذار/مارس2007‏

2007-03-23