ارشيف من : 2005-2008
المعركة من دون جوزف سماحة صعبة فلنجرب المستحيل
وتقول: كفى.
لم يكن جوزف سماحة ما يكتبه، بل كان كل ما يتصل بالكتابة، في قصد ونبل وعمق وثراء وموقف، كان كل ما يبلغه مدى الكلام الذي يتاح لنا كل صباح، كان كل ما لا يعرفه أحد عن شدة تأثيره لدى قراء ليسوا إلا قراءً، من كل الاتجاهات والثقافات والرجال والنساء والشباب والشابات والفتيان. كان ما لا يعرفه أحد عن شدة تعلق القراء بنصه الصباحي.
أمس، قرأت قرّاءه وقد كتبوا عنه الكثير، فماذا نعرف عمن لم يكتب، عمن لا يعرف الكتابة، عمن لا يعرفه أحد.
على باب المصعد إلى مكتبي، استوقفني حمّال، وحوله مجموعة من أصدقائه ومعارفه. سألني: متى يعود جوزف، لم أعرف عن أي جوزف يتحدث، ظننته يسأل عن أحد آخر، وأن لا علاقة لي بالموضوع، كنت أظن أن جوزف سماحة، يسأل عنه "الكبار" فقط، من هم من مجايليه أو من مرتبته أو من تياره أو من هواه، أو من نقيضه. لما أدرك الحمّال أنني لم أفهمه، بادرني فوراً: "جوزف سماحة متى يعود؟" قلت: هل تعرفه؟ قال: "أقرأه كل صباح". ثم التمعت عيناه بدمعتين صامتتين، حضنته وواسيته، ولم يكن عندي أكثر من ذلك.
الهاتف لا يتوقف عن نقل الشكوى ذاتها: "لمن نقرأ بعد اليوم"؟ لم يكن جوزف كاتباً وصحافياً و...
كان حزباً تتسع قاعدته اتساع القضية واللحظة الممتدة من أول الصراع بانتظار لحظة الخوف. كان خوفنا على أنفسنا في المستقبل يدفعنا الى أن نعرف أكثر مما يمكن أن يتحقق من الفجيعة الوطنية والقومية. كان خوفنا هو زادنا الذي بواسطته نقف على أقدامنا كل صباح لنبدأ بشجاعة، دفاعنا الحاسم عن القضية.
رسم لنا جوزف سماحة التخوم القريبة والبعيدة. حدد، حلّل، نبّه، حذّر، كشف، صدق، وسّع الدائرة الى حدودها القصوى، ووضعنا في وسط الدائرة: هذه هي الشباك الاميركية، من القطب اللبناني، الى خط الاستواء الدامي في العراق، الى خطوط الطول في صحاري النفط، الى خطوط العرض في مناحي فلسطين، الى مغيب العرب في القلب والضفاف، الى القطب الجليدي العربي، الذي جعله كالربع الخالي، يلهث خلف الخسارة ليتبناها.
وسّع المواجهة: أميركا تفوز بالدمار. "اسرائيل" تفوز على الركام العربي، يتفوقون في التبرير، العالم يتفرج على نمر دخل الصالون العربي وحوّله زجاجاً مكسوراً.
عندما ترك لنا جوزف مساحته البيضاء، قرأناها بالأسود، لم تكن بيضاء إلا مثله. نحن رأينا المأساة: أمة تنهار، بلاد تُسيّب، شعوب تتراجع، نادق يحفرها أهل البيت الوطني، ونبوءة الدم تتقدم لتحقق آياتها في القلب.
عندما ترك جوزف قلمه واستراح كانت أقلامنا تستعد لخوض معركة الامتناع عن التحريض، وعن التمذهب، وعن التعصب، وعن العمى، وعن الحقد، وعن الثأر، وكنا مقصرين، كان هو طليعتنا، ونتكل عليه، ونتكئ على قوامه السياسي المتكامل، لنرمم في ظل مقالاته، خطواتنا وكلماتنا.
ولكنه آثر أن يخلد الى موته.
ترك لنا وصية لن ننتهي من قراءتها، كتبها منذ صدق مع القلم الى اللحظة التي صدق معه الموت على مساحة أزمنته، ترك لنا كلماته، قال كثيراً، وكان يجب أن يقول أكثر في لحظة، كنا من أكثر القراء والكتّاب حاجة الى قوله.
فلنقرأ وصيته بإتقان وصدق وبراءة، فلنرسم الخارطة التي تتسع لبلاد تخوض معركة التحرر والتقدم والديموقراطية، معركة الإنسان العربي الذي تريّث كثيراً في معرفة الصواب.
إنها المعركة التي دلنا عليها جوزف سماحة: معركة ضد الخطيئة وضد الخطأ، خطيئة الاحتلال والظلم والاستبداد، وأخطاء مواجهتها بطرق تزيد من تفاقم المأساة والاقتراب من الهاوية.
معركة الصواب ضد الغلط، معركة الوضوح ضد الضبابية، معركة الوطن ضد أعدائه، بأفضل الوسائل وأنجعها.
معركة الصح ضد الزيف، المعركة التي يلزم أن توفر لها كل أسباب الفوز.
المعركة لا تزال في بدايتها.
ولذلك كانت خسارتنا متعددة وشاهقة ومفجعة، من دونه فقدت جبهة، من دون قلمه قلّ الوضوح، من دون قامته صار الظل الذي كنا نلجأ اليه ضئيلاً.
قلّ من تكون الخسائر بعده بهذا الحجم الانساني والقومي والوطني والثقافي والصحافي... قلّ من تكون الخسائر بعده بهذا الاتساع والعمق والأمداء.
ومع ذلك... لا مفر من متابعة المسيرة.
فلسطين بحاجة الى أقلام وثيقة التشخيص والتصويب.
العراق بحاجة الى نص تمتلئ، لغته تحرراً وتوحيداً، لا تحرراً وفوضى.
لبنان بحاجة الى من يوقف انزلاقه الى الفتنة، ويعصم مقاومته من الداخل، العرب بحاجة الى من يقول لهم في عز فقدانهم لعروبتهم: "هبوا واستفيقوا".
العالم، بحاجة الى من يخاطبه بلغة العقل والضمير والحقوق والقوة.
هكذا كان جوزف سماحة، وَرَثته من بعده أمام امتحان الجدارة، في دفع المسيرة الى حيث كان يرى، وحيث كان يتوقع، وحيث كان بالتأكيد ذاهباً بجدارة المؤمن والمعاند والمعاني..
الطرق مفتوحة، ولقد سلكها جوزف سماحة.. فلنجرؤ على المجازفة.
نصري الصايغ
الانتقاد/ العدد1204 ـ 2 آذار/مارس 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018