ارشيف من : 2005-2008

لبنان، وطن أم رصيف أم...؟

لبنان، وطن أم رصيف أم...؟

قول، لا تضيع الوقت، الوقت مناسب لإعادة صياغة الخيارات.‏

وبدأت في استعادة البديهيات المستحيلة:‏

لبنان، وطن أم رصيف؟‏

لبنان، لم يصبح وطناً بعد، قد يصير، أو، قد لا... لا شيء يدل على أن هذا البلد صار وطناً، يحتضن أبناءه، إنه أقرب إلى أن يكون رصيفا، ينتظر عليه شبابه لحظة السفر إلى اغتيالات الغربة، بل هو مجرد اقامة، سكان يشبهون نزلاء فنادق منتقاة.‏

لبنان وطن أم ملجأ؟‏

علمونا أن لبنان ملجأ الأقليات، ملجأ الخائفين، ملجأ الهاربين.‏

زودونا بتواريخ محددة، لموجات الخوف، عمر هذه الموجات مئات السنوات. غريب، لماذا لم يتحول اللجوء المزمن إلى وطن جامع لهؤلاء الخائفين. غريب، كانوا يخافون من "الغريب"، فتحوّل خوفهم ضد بعضهم حتى الموت لم يجمعهم، بدّدهم.‏

لبنان وطن أم ممر أو جسر عبور؟‏

طحلونا، زادوها علينا، حرضونا على مكانتنا، كان دورنا التاريخي، هو أن نستقبل الفاتحين ثم نودعهم، ونسجل ذلك في لوحات مزخرفة على ضفاف نهر الكلب، أليس لهذا البلد حيثية ذاتية؟ هل سيبقى ممراً، مرة للشرق ومراراً للغرب. أليس من حقه أن لا يكون تاجراً، أو بوليس اشارة، بل مواطناً، يفكر وينتج ويحب وينزرع في الأرض؟ غريب، برغم ما كابده اللبنانيون، ما زالوا يعتبرون إقامتهم فيه رهنا بمن يكون وصياً عليهم.‏

لبنان وطن أم أوطان مشوّهة من لا وطن؟‏

قالوا لنا: كما تكونون يولّى عليكم، انتم طائفيون، فأقيموا فيها، اصنعوا أوطانكم الصغيرة، في طوائفكم الخائفة. تحصّنوا بالتعصب. تمترسوا خلف قيادات ترث آباءها منذ المماليك، أو ما بعد حضارة الأرصدة المالية الباهظة. قالوا لنا: لا يحمينا في فرقتنا غير من نستجديه، كي يقيم عندنا ومعنا وضدنا.‏

قد يكون لبنان صاحب الرقم القياسي في الشعارات التي تقول أشياء كثيرة ولا تقول شيئاً أبداً: "العيش المشترك". (مع من وضد من وكيف؟ مشترك بالالتصاق أم بالتضاد، كيف، بالتراتب أولاً وثانياً وثالثاً، أم بالتجاور، أم بالتناقض؟) "لا غالب ولا مغلوب". يسعى اللبنانيون الى التغلب على بعضهم طوال فترة النزاع وعندما يفشلون في التغلب يصرخون عجزاً: لا غالب ولا مغلوب)، "الوحدة الوطنية (كذبة بَلقاء حصيلة صنم طائفي إلى طائفي آخر، هي طائفيان، ولا وطنيان)، "قوة لبنان في ضعفه" (ماذا يفعل أصحاب هذا الشعار، بعدما ثبت أن قوة لبنان في مقاومته؟ الجواب: تقديم المقاومة المنتصرة إلى المحاكمة الدولية لإثبات ان قوة المقاومة مضرة بلبنان، وعليه فإن تجريدها من قوتها، قوة للبنان).‏

بلد تليق به الألقاب الفارغة فيتبنّاها ويفتتن بها ويعلقها زينة في متن خطابه السياسي، وسلوك قياداته الأفعواني، بلد اعتاد ان يتنكر لنفسه، بلد اعتاد أن يكسر يده ويتسوّل عليها، بلد تحوّل أخيراً، إلى صندوق لجمع التبرعات والتسوّل على موائد الدول الكاسرة، كي يسد رمق ديونه التي تفوقت على الشعب اللبناني بطاقتها على النمو والتكاثر، حتى بلغت ما فوق الأربعين مليار دولار.‏

بلد حقنته ثقافة "العيش" و"بدنا نعيش" وثقافة الزعبرة و"ضرب الكم"، والاحتيال والفساد والكذب والنفاق والايديولوجيات البائتة والمفلسة، انه غير قادر الا أن يكون تابعاً.‏

بلد تأسس على عقيدة العجز، على فلسفة الثقافة على سلوك "شو خصنا" و"ما لنا وما للآخرين".‏

ولكن هذا البلد عرف مقاومة تليق بوطن عظيم، عرف مقاومة توجت الوطن بانتصارين، عرف مقاومة لا تطلب سلطة بل تضحية، ومع ذلك أفرغوا الوطن من حضنه الدافئ، وطالبوا المقاومة بأن تتعرى من قوتها بعدما تحولت اميركا إلى وحش كاسر، واسرائيل إلى حيوان جريح.‏

لم تجد المقاومة وطناً يحضنها، وجدت زعامات وجماعات وطوائف مدربة على ممارسة الهرب من الصعب الجميل، إلى السهل القبيح، أرقى ما فيه "العيش" كيفما كان.‏

لبنان وطن أم مقصلة للأبطال؟‏

يا حيف، أن بلداً لا يحمي مقاومته، لا شك أنه مخطوف من قبل طوائف وزعامات ومهرب إلى دهاليز العالم العمياء.‏

يا حيف، ان بلداً يعرض بعضُ من فيه، مقاومته للمقايضة، بين النحر والانتحار، لا يمكن أن يبلغ مرتبة الوطن.‏

ومع ذلك.. بين كل الخيارات المتاحة والمستحيلة، وحده الوطن، خيارنا، وبعد ذلك لا خوف على المقاومة، فلنبنِ وطناً أو فلنبدأ ولو لمرة وحيدة بحجر الأساس، بناء المواطن، خارج حظائره وغرائزه الطائفية.‏

نصري الصايغ‏

الانتقاد/العدد1203 ـ 23 شباط/فبراير2007‏

2007-02-23