ارشيف من : 2005-2008

القُبلة.. بعد عام

القُبلة.. بعد عام

كتب نصري الصايغ
حدث قبل عام، ما يلي:
قبّل فؤاد السنيورة كونداليسا رايس بحرارة.
استدعت كوندوليسا رايس "شخصيات" لبنانية لتناول الطعام معها في السفارة الأميركية، فأكلوا.
تبرّع عدد من السياسيين اللبنانيين، بالسفر إلى الولايات المتحدة لتكريم وشكر جون بولتون.
قبل عام بالتمام، حدث ذلك، ولم أفكر بذلك مليّاً، كنت مشغولاً آنذاك بأمور أخرى، كنت أظنها أهم بكثير، على تماس بيوميات صد العدوان الإسرائيلي، وبيوميات احتضان النازحين، وإطلالات تلفزيونية، لا بأس بها.
فاتني التكريم والطعام، وفاتتني القبلة، قلت، الانتصار يمحو العار.
لكن ذلك لم يحدث، ظل الانتصار انتصاراً، والعار عاراً.
الأول يعيش في عالمه القيمي، فيما العار ما زال يجول في البلاد، وهو حيّ يرزق، يتربى ويتدلل ويتبختر.
قلت، إذاً لا بد من العودة إلى القبلة و"الوجبة" والهدية.
(قيل إنها كانت من خشب الأرز)، وعليه، فسأعود لأقول ما يلي:
كنت على وشك الانتقام بالكلام فقط، من صاحب القبلة، وقبيلة الأطعمة في السفارة، وزبانية التكريم الفظ، إلا أنني تراجعت وقلت: هذا غيض سيئ من فيضٍ أسوأ، لقد حلّ أولمرت ضيفاً على مصر، وتحلق حوله ملك الأردن، بكل تاجه، ومحمود عباس بكامل سلطته المستعادة أو المستعارة، سيان.
قارنت القبلة والوجبة والهدية بالمصافحة والعناق والكلام وما صدر وما لم يصدر من مواقف، فوجدت أن مشهد أولمرت، أولمرت الذي كان يقصف جيشه لبنان، أولمرت القاتل، الملوّث بالدماء، الفاتك بالشعب الفلسطيني، هو وأسلافه وحاشيته، أولمرت هذا الوريث الشرعي لسفاح صبرا وشاتيلا.. وجدت أن مشهد أولمرت وسط أحبائه، أشد شناعة وخلاعة و"زحفطة" من بشاعة القبلة، وضراوة الوجبة، وخساسة الهدية.
ولما قارنت بين فضيحة السرايا، والطعام السريع في السفارة، وشد الأيدي على بولتون، بما قام به وزيرا خارجية مصر والأردن، قلت: لا، المقارنة لم تعد جائزة بالمطلق. وتبين لي أننا نعيش في كوكب واحد. فإسرائيل ومن معها، وأميركا ومن معها، من العرب، هم في كوكب ونحن في كوكب آخر.
والدليل، أنه فيما كان السنيورة يقبّل بابتسامة ملؤها الفرح، كولد لم يصدق نعمة التقبيل لأول مرة، كانت "أم جهاد"، تقبّل طفلها بدموعها، عندما قتله الجنود الصهاينة، فيما كان يقطف عرق نعناع ليأكل مع أهله، وجبة ما، بعد أربعة أيام من فقدان الأرغفة، وفيما كانت السفرة في دار السفارة الأميركية، بقيادة الثنائي رايس/ فيلتمان، تعج بالأيدي الممدودة، والاقتراحات السفاكة، كانت "أم وليد" تبحث عن أولادها، تحت سفرة الدار، فوجدتهم أرغفة وقرابين. غصت بقبلتها ولقمتها. وشبعت تأوهاً وألماً حتى التخمة. وفيما كان أشاوس في 14 آذار، ينقلون خشب الأرز إلى بولتون، لم يكن حجر قد بقي على حجر في بنت جبيل ومارون الراس وعيتا..
نحن في كوكب وهم في كوكب آخر.
ففيما كان أولمرت في مصر، محتضناً من ثلاثيّ الاعتدال الأميركي ـ العربي، كانت قاذفات القنابل الإسرائيلية تغير على غزة، وكانت أقفال معبر رفح في سلة أولمرت، والدبابات تتوغل في الدماء الفلسطينية، إضافة إلى أكثر من عشرة آلاف أسير، مقيدين في السجون الإسرائيلية.
نحن في كوكبين مختلفين:
هم في كوكب، تضاءلت فيه القيم أو انعدمت.
ونحن في كوكب، شديد الإنسانية، شديد التعلق بالحرية، شديد الالتصاق بالكرامة، شديد التشبث بالأرض، شديد الارتباط بالحق، شديد الصبر على المكاره.
هم في كوكب ونحن في كوكب آخر.
نحن في كوكب أهله "منتصب القامة أمشي، مرفوع الهامة أمشي".
هم في كوكب "الكريم فيهم" يمشي على جبهته، نعله، أطول من قامته.
بعد عام...  تذكرت ذلك، وقررت أن أنشر في غرف بيتي ومكتبي ومكتبتي، صورة القبلة، والوليمة والهدية.
يا للعار.
الانتقاد / العدد 1225 ـ 27 تموز/يوليو2007

2007-07-27