ارشيف من : 2005-2008
فريق السلطة يفتعل معركة الانتخابات الفرعية : الأسباب.. والأهداف
كتب مصطفى الحاج علي
هل تستحق انتخابات فرعية لإشغال مركزين شاغرين كل هذه الجلبة السياسية، أم أنّ وراء الأكمة ما وراءها؟
دعونا ابتداءً نسجل الملاحظات التالية:
أولاً: إن فريق السلطة هو من بادر واتخذ قراراً بإجراء هذه الانتخابات بالرغم من أنه سبق له ونام على هذه الخطوة عقب اغتيال النائب والوزير في حكومة السنيورة بيار الجميل، ليعود ويستيقظ فجأة بعيد اغتيال النائب وليد عيدو، واضعاً قراره في سياق ادعائه بأن هدف الاغتيال هو إنقاص عدد نواب فريق الأكثرية في سياق مواجهة الاستحقاق الرئاسي.
وهذا الادعاء، في الحقيقة ليس في محله لسببين أساسيين: أولاً، إن احتساب الثلثين في النصاب، في حال اعتماده، سيكون من الأحياء، فبالتالي لا معنى هنا لزيادة في عدد نواب السلطة، أو في نقصانه، ما دام الحساب لمجمل عدد النواب، لا لهذا الفريق أو ذاك.
ثانياً: أن فريق السلطة سبق له وقرر اعتماد نصاب النصف زائد واحد، ما يعني بدوره أنه بات المطلوب من عددٍ كبير من نواب فريق الأكثرية لإحباط هذه المحاولة، وهذا ما لا يقول بإمكانه عاقل. أضف إلى ذلك، أن وجهة الأمور مالت مؤخراً لاحتساب الثلثين في الانتخابات الرئاسية، ما يعود بنا إلى المربع الأول.
الهدف من هذا النقاش القول بأن فريق السلطة عندما قرر إجراء هذه الانتخابات ضارباً عرض الحائط بالأصول الدستورية، مجدداً، انما قررها لافتعال مشكلة مع المعارضة من جهة، ولإيجاد مناخ مكهرب خصوصاً في المناطق التي ستجري فيها الانتخابات من جهة أخرى.
ثانياً: حاولت بعض قوى المعارضة الاعتراض دستورياً على قرار فريق السلطة إجراء الانتخابات من خلال رفع شكوى بهذا الخصوص إلى مجلس شورى الدولة، لكن كانت المفاجأة ان هذا المجلس رد الشكوى لكونه ليس صاحب الصلاحية، وأن صاحب الصلاحية هو المجلس الدستوري غير القائم حتى الآن، ولكون المدعي ليس صاحب صفة أيضاً.
بهذا المعنى لم تكن المعارضة في وارد خوض مواجهة أو معركة تحدّ، ولا سيما أنها تدرك عدم شرعية هذه الانتخابات كونها مخالفة للأصول الدستورية التي توجب إمضاء رئيس الجمهورية لها، وهذا ما لم يتحقق.
إلا أن ما فاجأ الجميع هو المنحى الذي وضع فيه فريق السلطة، وبإصرار، هذه الانتخابات، وهو منحى أقل ما يقال فيه انه منحى تحدّ وسيئ وتعبوي رخيص، وكأن هذا الفريق يخوض أمّ معاركه التي سوف تقرر مصيره السياسي برمته: النائب سعد الحريري في بيروت عمد إلى خطاب تعبوي قائم على الاستغلال الرخيص للدم، محاولاً تصوير من يواجهه وكأنه هو القاتل، اضافة إلى استغلال العصبيات المناطقية من خلال تصوير وكأن المعركة على كرسي نيابي هي معركة تحرير بيروت، ولا ندري من ماذا، ومعركة كرامة بيروت، ولا ندري من الذي يريد إذلال أو إهانة أهالي بيروت هنا.
وأما في الساحة المسيحية فحدّث ولا حرج، فاستخدام الدم بالمعنى العشائري، إلى جانب استحضار الذاكرة التاريخية لعلاقة القوى السياسية فيها، في الوقت الذي عملت أطراف أساسية في فريق 14 شباط على تشجيع الجميل للذهاب إلى المعركة في النهاية، والى استبدال ابنه سامي به، وتصوير المعركة هناك، وكأنها المعركة المصيرية التي ستحسم من هو رئيس الجمهورية المقبل لبنانياً.
خلاصة القول هنا، ان فريق السلطة هو من أصر على افتعال بل واصطناع معركة دونكيشوتية، مصوراً للرأي العام أنه يخوض معركة مفصلية، بالرغم من إدراكه الحدود الضيقة للنتائج التي يمكن أن تترتب عليها، وهي حدود لن تقلب لا الوقائع ولا المعطيات، ولن تغير في مسار الأمور، فثمة مبالغة في تصوير ما يجري لاصطناع انجازات وهمية يحتاجها فريق السلطة الذي لا يمضي يوم إلا ويزداد تضعضعاً وضعفاً.
ثالثاً: جاء اصطناع وافتعال معركة الانتخابات، في الوقت الذي تواصل فيه الديبلوماسية الفرنسية حركتها الدولية والاقليمية للتوصل إلى مخرج من الأزمة اللبنانية.
ومن نافل القول، إن واشنطن وفريق السلطة هما أكثر من حرتق على هذه الحركة الفرنسية، وحاول التقليل من شأنها، ووضع العقبات أمامها.
ولا يخفى على أحد أيضاً، أن أحد الدوافع الرئيسية للديبلوماسية الفرنسية هو رد الاعتبار، وإعادة التوازن للوضع المسيحي الذي يعاني منذ مدة، ولأسباب معروفة، من مشكلة عدم توازن، بالقياس إلى باقي الطوائف اللبنانية.
ومن نافل القول أيضاً، إن ثمة صراعا معلنا وخفيا داخل الساحة المسيحية حول من هو الزعيم الأساسي لهذه الساحة، بعد عملية التشكيك وحملات التهويل والتضليل، التي تمارس بقوة على الرأي العام المسيحي منذ مدة من قبل أدوات الضغط الخاصة بالسفارة الأميركية وفريق السلطة معاً، من أجل ضرب شعبية الرئيس عون، وخطفها قوى أخرى.
خلاصة القول هنا، إن من أراد افتعال واصطناع معركة الانتخابات الفرعية، أراد بذلك تحقيق جملة أهداف بعيدة بالمطلق عن الانتخابات، ومسألة الفائز فيها أو الخاسر، ولعل أبرزها التالي:
ـ البحث عن انتصارات وهمية قابلة للاستثمار في المعركة السياسية الأساسية الدائرة في البلاد، والتي ما زالت تتمحور حول عنواني حكومة الوحدة الوطنية والاستحقاق الرئاسي، والصيغ الخاصة بكل منهما.
ـ حاجة فريق السلطة الى معركة تسمح له باختبار قدرته مجدداً على التحشيد والتعبئة خصوصاً بعدما بدا أنه فقدهما الى حد كبير.
ـ تحويل المعركة الى مناسبة لإعادة صفة الزعامة السياسية بعدما بدا أن هذه الزعامة اهتزت لأسباب كثيرة.
ـ محاولة رسم خريطة جديدة للتوازنات السياسية في البلاد، لاستثمارها في عمليات التفاوض الدائرة حول المخارج السياسية.
ـ تثبيت السنيورة كرئيس شرعي للحكومة، في مقابل التأكيد على تجاوز موقع الرئاسة، واعتباره كأنه غير موجود.
ـ وضع عراقيل عملية أمام الحركة الفرنسية لقطع الطريق على أهدافها الرئيسية، لا سيما المتعلقة منها بالوضع المسيحي، فثمة من حرص على تأجيج الصراع المسيحي ـ المسيحي، وتحديداً هنا تيار الحريري وسمير جعجع ووليد جنبلاط، الأول لأنه يفضل واقعاً مسيحياً ممزقاً وضعيفاً للابقاء على عملية الالحاق بالحريرية السياسية، والثاني، يهمه ضرب خصميه اللدودين بعضهما ببعض، ليكون هو البديل المسيحي لكل منهما، وأما الثالث، وبعد تمتين تحالفه مع جعجع، فهو مستفيد على كل المستويات.
بكلمة واحدة، إن الأهداف السياسية المطلوبة في هذه الانتخابات تتجاوز بكثير الأهداف الانتخابية، ولذا أصر فريق السلطة على افتعالها وتكبيرها.
الانتقاد / العدد 1225 ـ 27 تموز/يوليو2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018