ارشيف من : 2005-2008

"إسرائيل" تحكي هزيمتها في بنت جبيل

"إسرائيل" تحكي هزيمتها في بنت جبيل

لا يخفى أن اختيار العدو لاحتلال نقاط ومناطق محددة خلال سير المعارك يرتكز في ما يرتكز، على تشخيصه للمزايا الجغرافية والعسكرية التي تتسم بها. لكن ما ميّز إصرار العدو على احتلال بلدة بنت جبيل انه انطلق من خطاب بيت العنكبوت الذي ألقاه الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في أعقاب الانتصار التاريخي عام 2000.
صحيفة "معاريف" الصهيونية نشرت خلال الأسابيع الاخيرة تفاصيل تُنشر للمرة الاولى حول سير المعارك والقرارات بشأنها، ومنها معركة بنت جبيل.. حيث تبدأ من أن رئيس أركان العدو دان حالوتس كان واضحا بقوله: "الحروب الحديثة هي حروب على الرموز.. بنت جبيل هي رمز.. في بنت جبيل خطب نصر الله خطاب بيت العنكبوت.. يوجد فيها رموز يدافعون عنها، يحمونها، ومهمتنا الآن أن نظهر لهم أننا نضربهم في هذا المكان".
لكن في المقابل كان هناك في القيادة العسكرية من يسأل: "هل احتلال المكان الذي ألقى فيه نصر الله خطابه المشهور كان سيساهم في تقليص إطلاق صواريخ الكاتيوشا؟ من الواضح لا.. لكن خطاب بيت العنكبوت أصاب القيادة العامة بالجنون، فقادة الألوية كانوا متلهفين لمحو المذلة. الخيال الجامح أخذ أولمرت وبيرتس إلى النقطة التي تحدث فيها نصر الله حينها، وإلقاء كلمة انتصار من قبلهما. لكن الأمر لم يتحقق. فبنت جبيل الموجودة على بعد ثلاثة كيلومترات عن حدود "إسرائيل"، تحولت مرة أخرى إلى رمز.. (لكن) رمز للفشل".
أول من طرح فكرة احتلال البلدة كان قائد سلاح البر اللواء بيني غينتس، أما قائد المنطقة الشمالية خلال العدوان اللواء أودي آدم فعلّق على هذا الطرح بالقول: "من ناحيتي بنت جبيل مكان معقول لمهاجمته، ولكن ليس احتلالها بالكامل".. ودعا إلى احتلال نقاط مشرفة عليها ومحيطة بها، واعتبر انه "من اجل السيطرة عليها لا ينبغي الوجود في داخلها".
رئيس شعبة العمليات اللواء غادي آيزنكوت لم يحبذ فكرة عملية بنت جبيل، واعتبر أنه "من الأفضل التوجه نحو القرى الصغيرة مع رمزية كبيرة في القلب العملياتي لحزب الله، مثل ياطر وكفرا وزبقين". أما بخصوص قائد فرقة الجليل (الفرقة 91) العميد غال هيرش فلم يُخفِ حماسته لاحتلال بنت جبيل وعدم الاكتفاء بالسيطرة على النقاط المشرفة عليها.
خيوط الفولاذ
بدأ "مركز التفكير" في قيادة الفرقة بالعمل على إيجاد اسم للعملية، وتمخض عن ذلك اسم "خيوط الفولاذ"، في مقابل التسمية التي أطلقها الأمين العام لحزب الله على الكيان الاسرائيلي "خيوط العنكبوت".
جاء أودي آدم مع قائد الفرقة هيرش الى معسكر شرغا الخاص بلواء غولاني والقريب من نهاريا للمصادقة النهائية على الخطط، ومما قاله: "يجب الاستعداد لاحتلال بنت جبيل كالاستعداد لاحتلال برلين".. وقال لقائد اللواء (غولاني) العقيد تامير يدعي: "أنا أعرفكم أصدقائي أنتم لن تحتلوا شيئا، أنتم ذاهبون الى مناطق سيطرة، ولن تذهبوا إلى أي مكان آخر".
وكانت الخطة تنص على ان يأتي مقاتلو غولاني من الشرق والمظليون من الغرب ويحاصروا البلدة معاً، وتؤمن المدرعات غطاء ناريا لقوات اللواءين. وكان من الواضح مسبقا أن الجهة الشمالية من البلدة ستبقى مفتوحة أمام حركة عناصر حزب الله.
مع فجر صباح يوم الاثنين تمركز مقاتلو غولاني في أطراف البلدة، وأرفق وصولهم بقصف مدفعي عنيف وبغارات لسلاح الجو. وتمركز جنود السرية (ج) في ثلاثة منازل. وكان قائد اللواء يدعي طوال الوقت في غرفة العمليات بالمالكية، في مبنى مؤلف من طبقتين بُني لأغراض عسكرية.
الخلل الأول
بعد وقت قصير من انطلاق مقاتلي اللواء تبين لـ"يدعي" أنه ليس لديه اتصال بهم بسبب خلل تقني. واضطر للذهاب في كل مرة من غرفة العمليات الأمامية في المالكية الى غرفة العمليات في معسكر أفيفيم  للتحدث مع القادة على الارض عبر الهاتف المشفر "ورد الجبال"، حيث كان يمكن الالتقاط فقط من أفيفيم، واستمر الخلل مدة 24 ساعة.
الخلل الثاني
إحدى القوات وجهت نيران سلاح الجو باتجاه قوة أخرى تابعة للجيش الإسرائيلي ظنا منها أنهم عناصر لحزب الله، وأدى ذلك إلى إصابة خمسة جنود بصاروخ طائرة إسرائيلية.
أرسلت دبابة إسعاف لإخلاء الجرحى، اضافة إلى دبابة أخرى من طراز "ميركافا 4" تابعة للكتيبة (52) لتأمين التغطية. لكن الدبابة أصيبت بصاروخ مضاد للدروع أطلقه رجال حزب الله، وقتل الملازم لوتن سلوين. بادر قائد الكتيبة المقدم جاي كبيلي بالتوجه إلى الدبابة المصابة، ولكن الدبابة التي كان يقلها تعرضت لعبوة ناسفة شديدة الانفجار وعلى متنها سبعة جنود.
وحاول جنود المدرعات التقدم سيرا باتجاه قائدهم وأصدقائهم الجرحى، فأطلقت باتجاههم صواريخ "ساغر". ثم أطلقت المدفعية قذائف دخانية وأوجدت غطاء مكنهم من سحب الجرحى.. لكن العريف أول كوبي سميلج قُتل متأثرا بجراحه.
في هذه الاجواء وصل قائد المنطقة الشمالية آدم إلى مقر القيادة الأمامية وأصدر أمرا بوقف تقدم المظليين، وارتكز في ذلك على إحدى العبر التي استخلصها من المعركة التي أصيب فيها مقاتلو إيغوز في مارون الراس: "لا يتقدمون في النهار". قائد الفرقة هيرش كان مصدوما.. اتصل بالهاتف النقال المشفر الذي يحمله أودي آدم وقال له بصوت عالٍ: "هذا خطأ خطير.. لا يوجد جيش لا يقاتل في النهار". الا ان ذلك لم يُجدِ.
صبيحة يوم الثلاثاء في الخامس والعشرين من شهر تموز 2006، اتصل رئيس الحكومة إيهود أولمرت بقادة الألوية التي تموضعت على التلال فوق بنت جبيل، قائد لواء غولاني العقيد تامير يدعي، وقائد لواء المظليين حاجي مردخاي. وقال لكل واحد منهم: "أنا أعتمد عليكم وأؤمن بكم، تقومون بعمل كبير.. حافظوا على أنفسكم وعلى الجنود، فكروا جيدا، ولا تنسوا لحظة أن شعب إسرائيل جميعه من ورائكم. فخور بكم ويحبكم".
أمر آدم قادة اللواءين: يدعي ومردخاي، والجنود بالتراجع. وحوالى الساعة السابعة مساء قال قائد فرقة الجليل العميد غال هيرش للمراسلين: "أتممنا السيطرة على بنت جبيل، فجرنا مراكز التنصت.. نتحرك من منزل إلى آخر، من زقاق إلى آخر، المخربون في محنة".. لكن (الأمين العام لحزب الله السيد حسن) نصر الله قال في مقابلة مسجلة في المساء ذاته: "لا تصدقوا الحرب النفسية من قبل العدو الصهيوني.. من اليوم الأول يقول العدو الصهيوني انه احتل بنت جبيل، لكنها إلى الآن بيد المقاومة".
بعد كل الاستعدادات للخروج أمر حالوتس قائد المنطقة الشمالية أودي آدم، بالتوقف: "أنتم لن تخرجوا من بنت جبيل"، بعدما سمع مرات عدة من أعضاء هيئة الأركان أن التراجع من بنت جبيل من دون أي إنجاز سيندرج ضمن نطاق الخزي والعار.
 عندها شعر قائد المنطقة الشمالية كأن السماء تسقط عليه، لكن كان عليه العمل بسرعة. الأمر الجديد لهيئة الأركان كان مواصلة التدحرج باتجاه احتلال البلدة. وما ان وصل الامر الى القوات الميدانية حتى قال يدعي (قائد غولاني) لضباطه عبر الجهاز: "أصدقائي، أنا الآن لم أعد أفهم، لكن في هذه المرحلة أُعطيت أوامر بالبقاء".
في الساعات التي تلت ذلك اتضحت الصورة بعض الشيء، إذ قال حلوتس لآدم في حديث هاتفي آخر: "احتلوا بنت جبيل".. تذمر آدم وسأل بغضب: "إلى ماذا تشير عندما تقول احتلوا بنت جبيل؟ احتلال كل منزل؟ كل بيت له عشرة طوابق". لكن حالوتس لم يجب، واتصل آدم بغال هيرش وأوضح رأيه عن الأمر الذي تلقاه قائلا: "إنهم غير طبيعيين".
لكن من ناحية هيرش كان ذلك بشرى ممتازة وقال: "اسمع أودي، انهم صادقون.. لقد قلت طوال الوقت إن اجتياح بنت جبيل أمر في محله".
أجاب آدم: "اسمع، برغم وجود أوامر باحتلال بنت جبيل، فإننا لن نحتلها. أريد تشغيل كل المدفعية وتدمير السوق.. على الأقل (3000) منزل، قبل الدخول. وهذا الأمر سيأخذ بعض الوقت.. الآن نفذ الخطة".
وتلقت كل القوات المحيطة ببنت جبيل أمرا من غال هيرش باستبدال البيوت التي يوجد فيها الجنود، خشية أن يكتشفهم عناصر حزب الله، والتقدم بضع مئات من الأمتار.
اكتشف الجنود لدى تقدمهم ثلاثة خيالات لأشخاص يرتدون بذلات للجيش الاسرائيلي، لكن الجنود أدركوا انهم "مخربون".
حامل الرشاش المتوسط كوهين جينجي أطلق النار باتجاههم، وتوجه الملازم عميحاي مرحبية باتجاه الثلاثة مع ثلاثة جنود من مجموعة التقدم.. لكنهم اصطدموا بجدار لم يكونوا يعلمون بوجوده، ودارت على جانبيه معركة بالقنابل اليدوية. "جنجي" أصيب وصرخ "ساعدوني.. أنا جريح". مرحبية أبلغ كلاين نائب قائد الكتيبة: "علقنا، إنهم يطلقون النار علينا، ويوجد إصابات". وبعد ذلك هو نفسه أصيب وقُتل. وقتل في هذه المعركة آخران، هما أوهد كلاوزنر وشمعون كوهين.
 وعلى الفور توجه نائب قائد الكتيبة كلاين مع نائب قائد السرية شفرتسمن وأربعة مقاتلين آخرين من وحدة التقدم لمساعدة مرحبية.. لكن هذه القوة ايضا فوجئت على ما يبدو، عندما اصطدمت بجدار.. وجرت مواجهة بالقنابل اليدوية وإطلاق النار من مسافات قصيرة قتل خلالها أربعة جنود من رتب مختلفة: شفرتسمن وآسف نمر، وشمعون أدجه وكلايين. عيدان كوهين أصيب بجراح خطيرة ثم مات لاحقا متأثرا بها.
الخلاصة كانت انه خلال عشر دقائق فقدت السرية (ج) سبعة مقاتلين ومعهم نائب قائد الكتيبة كلايين.
في هذا الوقت تابع هيرش ويدعي ما يجري على الارض من خلال الصور العسكرية التي كانت تبثها الطائرات الاستطلاعية من المنطقة. الاشتباكات وإخلاء الأحياء والموتى، كل شيء اختلط. لم يتمكنا من تمييز مقاتلي غولاني عن المخربين. قبل ذلك، حوالى الساعة 8.00 صباحا، انضم إليهما أيضا قائد المنطقة الشمالية أودي آدم. وعندما بدأت  الأخبار عن القتلى ترد، اتصل رئيس الأركان بآدم وحاول تهدئته وقال له: "في الحرب يوجد أيضا ضحايا". رد آدم عليه بسرعة: "أنت تشعر يا رئيس الأركان بأنني مضغوط، صحيح؟ أنا لا أحتاج إلى تطميناتك".
الانتقاد/ العدد1225 ـ 27 تموز/يوليو2007

2007-07-27