ارشيف من : 2005-2008

بري محذراً: اذا استمر تعطيل الحل سنذهب أبعد من الحكومتين

بري محذراً: اذا استمر تعطيل الحل سنذهب أبعد من الحكومتين

لم ينضج مسار الأزمة السياسية المستمرة في لبنان أكان باتجاه الحل أو التفجير، وظهر أن الجهود الفرنسية المتواصلة والهادفة إلى تحقيق اختراق قد اصطدمت بالحماوة التي تطبع معركة الانتخابات الفرعية في المتن الشمالي، والتي ستشكل مؤشراً سياسياً سيبنى عليه في المرحلة اللاحقة.. وحتى لو حصلت زيارة وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير في موعدها فلن تفضي إلى تحقيق نتائج عملية قريبة.
وبدا من محصلة جولة المحادثات التي أجراها الموفد الفرنسي جان كلود كوسران على مدى ثلاثة أيام في بيروت مع أركان فريقي السلطة والمعارضة، أنها لم تنجح في تحقيق اختراق لجهة عقد طاولة حوار جديدة في لبنان. وبحسب مصادر متابعة فإن الأمر يعود لسببين:
الأول ان فريق السلطة لم يسلم بمبدأ تشكيل حكومة وحدة وطنية بمعزل عن الاستحقاق الرئاسي، وبالتالي "فإن المعارضة ليست مستعدة لحوار يهدف لتقطيع الوقت ولا يستند إلى أسس واضحة تقود إلى حل".
والثاني هو احتدام الخطاب السياسي المرتبط بالانتخابات الفرعية التي ستجري في المتن الشمالي في الخامس من آب المقبل، وعدم امكانية جمع الفريقين على طاولة حوار في ظل هذه الأجواء.
وفي هذا السياق يُنقل عن رئيس مجلس النواب نبيه بري أنه "ليس متفائلاً أو متشائماً بإمكانية الحل، وهو إذ يشيد بالمساعي الفرنسية يؤكد أن المطلوب ليس حواراً لتضييع الوقت، وإنما حوار مبني على أسس تؤدي إلى حل الأزمة". ويقول الرئيس بري بحسب أوساطه في معرض التحذير من استمرار فريق السلطة في تعطيل الحلول: "أنا من أخّر الحكومة الثانية التي كانت المعارضة بصدد تشكيلها، ولكن إذا لم يجر الاتفاق فقد نذهب أبعد من الحكومتين". ويستغرب الرئيس بري بشدة الخطاب التصعيدي والتحريضي للنائب سعد الحريري بشأن الانتخابات الفرعية في بيروت، برغم أن حركة أمل وحزب الله أعلنا عدم خوض هذه الانتخابات لمخالفتها الدستور.
"معركة المتن"
مرة جديدة تتحول ساحة قضاء المتن الشمالي في محافظة جبل لبنان إلى ساحة معركة سياسية قاسية ومؤشراً الى موازين القوى على الساحة المسيحية، وبوابة للاستحقاق الرئاسي الذي بات قريباً، وذلك عبر الانتخابات الفرعية التي دعت إلى إجرائها في الخامس من آب المقبل الحكومة اللاشرعية برئاسة فؤاد السنيورة، لملء المقعد الشاغر باغتيال النائب السابق بيار الجميل.
ففي العام ألفين وثلاثة شهد هذا القضاء معركة ضروسا في الانتخابات الفرعية التي جرت بعد وفاة النائب ألبير مخيبر، حيث تواجه يومها النائب ميشال المر منفرداً مع المعارضة حينها التي كانت تتشكل من معظم القوى المسيحية الأخرى، حيث حصل تقارب في النتيجة بين ابنة المر ميرنا وشقيقه غبريال الذي رشحته المعارضة. ونتيجة هذا التعادل في موازين القوى حينها واللغط الدستوري الذي رافقها إلى المقعد النيابي إلى النائب  غسان مخيبر الذي حصل وقتها على مئات الأصوات، وقد ارتدت المعركة حينها طابعاً سياسياً حول الصوت المسيحي ومن يمتلك قرار المتن، وظهر حينها وجود توازن قوي بين الموالاة (المر) والمعارضة المكونة من الأحزاب المسيحية.
وإذا كانت انتخابات العام ألفين وخمسة قد حسمت الوجهة المتنية بالفوز الكاسح للتيار الوطني الحر، فإن الانتخابات الفرعية المرتقبة برغم كونها مخالفة للدستور من خلال الدعوة اليها من دون توقيع رئيس الجمهورية العماد إميل لحود وتجاوز مهلة الشهرين لإجرائها بعد شغور المقعد كما ينص قانون الانتخاب، فإن خوضها من قبل التيار الوطني الحر عبر مرشحه كميل خوري في مواجهة الرئيس الأعلى لحزب الكتائب أمين الجميل، أملته العديد من الاعتبارات بحسب الأوساط المتابعة منها..
أولها: اعتبارها استفتاءً على شعبية التيار الوطني الحر التي جرى التشكيك فيها من قبل فريق السلطة في أكثر من محطة، وأنها تراجعت كثيراً بعد انتخابات العام ألفين وخمسة التي اكتسح فيها التيار مقاعد المتن الثمانية وترك مقعداً شاغراً فاز به النائب السابق بيار الجميل. وعليه إذا فاز مرشح عون في هذه الانتخابات فإنها ستؤكد بقاء شعبيته الكاسحة وستشكل مؤشراً بشأن الاستحقاق الرئاسي مفاده ان العماد عون هو مرشح الأكثرية المسيحية على حساب الأقلية المنضوية في حكومة السنيورة، ولهذا جعل التيار الوطني الحر عنوان المعركة التي يخوضها بالتحالف مع النائب ميشال المر وحزب الطاشناق "مواجهة تهميش المسيحيين".
ثانياً: كان بالإمكان التوصل إلى توافق حول مرشح تزكية أو توافق لو لم يتعاطَ الجميل بطريقة سلبية وقاسية مع رئيس التيار الوطني الحر النائب العماد ميشال عون بعد اغتيال نجله بيار، وصولاً إلى المواقف التصعيدية التي اتخذها عند اعلان ترشيحه، حيث أعلن أن المعركة هي "مع سارقي المتن"، وصولاً إلى وصفه عون بأنه هاوي حروب إلغاء، وهو ما سيجعل عون يمضي حتى النهاية في معركة قاسية مع الجميل ستشكل اذا فاز مرشحه بها ضربة قاسية للجميل وحزب الكتائب في عقر داره.. هذا إذا لم تنجح الوساطة التي تقودها بكركي، والتي تسعى إلى تفادي هذه المعركة عبر تأجيل الاستحقاق الانتخابي.
وبدا لمراقبي معركة المتن ان الجنرال عون يخضوها مطمئناً بعد تأكيد تحالفه مع المر وحزب الطاشناق، وهو غادر فور تأكيد هذا التحالف إلى ألمانيا، فيما ظهر التوتر على الرئيس السابق أمين الجميل من خلال خطاباته التصعيدية، لأنه بدا محرجاً وخائفاً بعدما وضع مستقبله ومستقبل حزب الكتائب تحت الاختبار المتني.
ووسط هذه المعركة الكلامية المحتدمة بين التيار الوطني الحر والكتائب، يلفت المراقبون الى أن رئيس الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية سمير جعجع سيكون رابحاً أياً يكن الخاسر أو الفائز من المرشحين في انتخابات المتن، وهذا الربح لن يكون بفعل "حنكة" جعجع السياسية، لأنه غير معروف عنه النجاح في ميادين العمل السياسي، وإنما بفعل الأمر الواقع.
فإذا خسر مرشح التيار الوطني الحر سيعتبر جعجع أن مسيحيي فريق 14 شباط قد حققوا نصراً على عون، وأن الحديث عن تراجع شعبية التيار بات أمراً واقعاً، وسيُبنى على هذا الأمر معادلات سياسية في المرحلة المقبلة، في مقدمتها الاستحقاق الرئاسي.
وإذا خسر الجميل وفاز مرشح التيار الوطني الحر، فلن يكون جعجع حزيناً، لأنه يكون قد تخلص بذلك من "حليف لدود" على الساحة المسيحية، وأخليت أمامه قيادة الفريق المسيحي في السلطة، وبالتالي سيعمل على استقطاب شعبية حزب الكتائب في الإطار القواتي بعد الإحباط الذي تكون قد تعرضت له في حال هزيمة الجميل التي سيكون لها أثرها الكبير في مستقبل حزب الكتائب. وبذلك يجد جعجع ان ساحة قد أخليت له بعد أن يكون الجميل قد احترق رئاسياً وشعبياً على ساحة المتن الشمالي، وسيعمل هو على سد الفراغ الكتائبي قواتياً.
على أي حال تلفت الأوساط المتابعة الى أن باب التسويات لم يُقفل، وأمام الجميل فرصة للانسحاب "بتغطية" من وساطة بكركي.
هلال السلمان
الانتقاد / العدد 1225 ـ 27 تموز/يوليو2007

2007-07-27