ارشيف من : 2005-2008

الإمام علي (ع).. الإنسان والحاكم

الإمام علي (ع).. الإنسان والحاكم

كتب الشيخ سمير رحال
قال رسول الله (ص): يا علي لا يعرفك إلا الله وأنا.. وبهذه الكلمة يتبين بوضوح صعوبة الحديث عن شخصية الإمام علي (ع) لأنها شخصية نادرة الوجود تجاوزت التاريخ لتعيش في آفاق الإنسانية الرحبة، لا يدانيها سوى شخصية رسول الله (ص) لأن الله تعالى خلقهما من نور واحد، ولأن علياً ترعرع وتفتحت مكنونات شخصيته في بيت النبوة، فهناك انسجام روحي ومعنوي واحد بين الشخصيتين، وقد تحدث أمير المؤمنين (ع) عن التربية التي حظي بها من رسول لله (ص) فقال (ع) لقد كنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أمه، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علماً ويأمرني بالاقتداء به".
هكذا نشأ علي (ع) مع رسول الله كغصنين في شجرة يتغذيان من جذر واحد، وهذا ما تحدث عنه أمير المؤمنين (ع): وأنا من رسول الله كالصنو من الصنو والذراع من العضد.
إذاً هناك إعداد إلهي لهذا الإمام ليكون له دوره الكبير في مسيرة الإسلام، فكان له دوره في حياة رسول الله (ص) وهو المطيع دائماً والملتزم والمحب لرسول الله، وبلغ من حبه له أن بات على فراشه ليلة الهجرة ليدرأ الخطر عنه (ص) فنزلت الآية المباركة:
"ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله".. وكان (ع) فارس المعارك.. في بدر قتل نصف المشركين، وفي أُحد بقي مع قلة قليلة يدافع عن رسول الله (ص) وحماه بنفسه، وهكذا في سائر المعارك كخيبر والخندق والأحزاب وغيرها.
كان الناصر دائماً لرسول الله (ص) وللرسالة حتى استحق أن يكون خليفة للمسلمين فلا أعلم منه ولا أشجع ولا أكثر إخلاصاً منه  للرسالة فنزل الوحي الإلهي بتعيينه خليفة على المسلمين، وبلّغ رسول الله(ص) هذا التعيين وهذا الأمر الإلهي في حجة الوداع على مرأى ومسمع من آلاف المسلمين، فبايعه المسلمون بإمرة المؤمنين ولكن.. جرى ما جرى.
واعترض أمير المؤمنين، لا حباً بالحكم ولكن لما في الحكم والحكومة والمتصدي لهما من أثر كبير في إنجاح الأهداف الإلهية وتربية المسلمين وتوعيتهم، ولا سيما أنهم جديدو عهد بالإسلام، ولكن نتيجة للأوضاع المهتزة وخوفاً من استغلال البعض للأمر كف عن المعارضة وقال (ع): فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولايتكم التي هي متاع أيام قلائل.
وهكذا عاش أمير المؤمنين في ظل خلافة غيره مدافعاً عن الإسلام وعن الخلافة كموقع، وكان يبث علمه بين الناس ويربي أصحاباً مخلصين، وكان لا يبخل في إعطاء المشورة والنصح للخلفاء مرشداً للصواب إلى أن جاء الناس إليه من كل حدب وصوب يطلبون منه أن يتولى الخلافة بعد سنوات طويلة من إقصائه عنها.
علي في الخلافة:
كان (ع) يقول: واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب.
إذاً فمقياس العمل عنده (ع) هو علمه أي الحق، لذا أول ما بادر الإمام إلى فعله هو:
1 ـ عزل الولاة الذين لا يتصفون بصفات الحاكم الإسلامي ولا يتمتعون بالمؤهلات اللائقة لذلك، وتعيين ولاة موصوفين بالإيمان والصلاح، فلم يقرب القريب ولم يبعد البعيد.
2 - مراقبة الولاة وتوجيههم الدائم عبر إرسال الكتب المبينة لكيفية تعاطي الوالي مع الرعية، ونذكر في هذا المجال عهده (ع) إلى مالك الأشتر، هذا العهد الذي يمثل دستوراً صالحاً لتنظيم علاقة الحاكم بالمحكوم.
3 ـ التسوية في العطاء، فألغى الامتيازات التي تميز العرب الموالي والسادة عن العبيد، والقرشي عن غيره، والشيء الأهم أنه لم يكن يميز أهل بيته عن غيرهم من المسلمين، وكان (ع) يقول: بؤساً لمن خصمه عند الله الفقراء والمساكين والسائلون والمدفوعون والغارم وابن السبيل.. وأن أعظم الخيانة خيانة الأمة وأفظع الغش غش الأئمة.
4 ـ استرجاع جميع ما أُخذ من بيت المال بغير وجه حق لأنه كما قال(ع): "فإن الحق لا يبطله شيء".
والشيء البارز في زمن خلافته(ع) هو كثرة الفتن، إذ نكثت طائفة البيعة بعد أن بايعته طمعاً في تحصيل موقع من مواقع الحكم، ومرقت طائفة أخرى وهم المتلبسون بلباس الإيمان ولكنهم جاهلون غير واعين، وهم والخوارج، وقسط آخرون فجاروا وظلموا.
كل هذه الطوائف تصدى لها أمير المؤمنين بجزم إعزازاً للحق ونصرة لمسيرة الإسلام نحو الهدف المنشود.
وفي غمرة الإصلاح السياسي والإداري وكل مجالات الحياة وفي غمرة الجهاد ضد أعداء الإسلام الصافي ارتفع أمير المؤمنين شهيداً في بيت الله، وارتفعت روحه المباركة إلى محلها اللائق بها عند مليك مقتدر.
وفي ما يلي نشير إلى بعض المبادئ الإنسانية والإسلامية التي لم يكن أمير المؤمنين (ع) ليتخلى عنها في أي يوم من حياته مهما اشتدت الظروف صعوبة حتى أصبحت جزءاً من كيانه.
أولاً: استخدام الوسائل الشرعية للوصول إلى الأهداف الإسلامية السامية، وعدم استخدام الأساليب الملتوية.. ويقول (ع) قد يعلم الحول القلب وجه الحيلة ولكن دونها حاجزاً من أمر الله ونهيه فيدعها رأي العين بعد القدرة عليها وينتهز فرصتها من لا حريجة له في الدين. وكان يقول (ع) أتأمرونني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليهم. وهذا ما التزمه الإمام طيلة حياته ولم نجد مورداً واحداً خالف فيه هذا المبدأ، بل رسخه بالقول والعمل ليقتدي به كل انسان فضلاً عن الحاكم.
ثانياً: التزام الحق.. حتى قال فيه رسول الله (ص) علي مع الحق والحق مع علي، وقال (ع) "ما ترك لي الحق من صديق".. فمشكلته (ع) مع مخالفيه أنه مع الحق وهو ليس كلمة تقال بل إن ملاك الحق هو العمل به لأنه كما يقول أمير المؤمنين (ع): الحق أوسع الأشياء في التواصف وأضيقها في التناصف.
ثالثاً: الوضوح التام في التعاطي مع الرعية والتماسّ الدائم بهم، لم يعط يوماً موقفاً فخالفه ولم يدع شيئاً ويتنكر له، فكان شديد الوضوح، وهذه الخاصية أبعدته عن الخلافة لسنوات حيث رفض استلام الخلافة نتيجة موقفه الواضح بأنه يلتزم فقط بالكتاب والسنة ولا شأن له بغير ذلك، وعندما وفد الناس لمبايعته قال (ع): واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب.
ونجد في قوله: فلا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل.
نجد في ذلك مدى الشفافية والوضوح التام في التعاطي مع الرعية، ونراه أيضاً يعيش بين الناس يتحسس آلامهم وحاجاتهم، ويساوي نفسه بهم، وفي ذلك درس كبير للحكام في كيفية ترتيب علاقتهم بشعبهم، وفي هذا المجال يقول في رسالة إلى أحد ولاته: وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم فإنهم صنفان، إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق.
لقد كان (ع) مثالاً للعدل والمساواة والالتزام بهذا المبدأ حتى مع أقرب المقربين منه، كيف لا وهو قد عاش في بيت الوحي مع القرآن، وهكذا كانت حياة أمير المؤمنين (ع) تجسيداً لكل كلماته التي نطق بها ولكل القيم القرآنية والإنسانية فكان بحق مثالاً ونموذجاً للكمال الإنساني، فسلام عليه كلما ذكر السلام، وسلام عليه كلما سبح الله ملك أو قدسه.
الانتقاد/العدد1225 ـ نقطة حبر ـ 27 تموز/يوليو2007

2007-07-27