ارشيف من : 2005-2008
توترات حادة بين موسكو ولندن
مراقبون عديدون اعتبروا أن مرحلة جديدة من الحرب الباردة قد بدأت مع إعلان الولايات المتحدة نيتها في إقامة الدرع الصاروخية في أوروبا الشرقية والرد الروسي الذي وصل إلى حد تعليق العمل باتفاقية الحد من انتشار الأسلحة التقليدية والتهديد بتصويب الصواريخ الروسية نحو العواصم الأوروبية.
الحرب الباردة نفسها تردد الحديث عنها على ألسنة المعلقين مع احتدام الأزمة الروسية البريطانية التي تفجرت مع وفاة العميل السابق للمخابرات الروسية، آلكسندر ليفينينكو، في لندن، في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2006. وكان العميل المذكور قد خلع عصا الطاعة لروسيا واستقر في بريطانيا، كرجل أعمال، بعد أن منحته السلطات البريطانية حق اللجوء السياسي. وهو متهم من قبل الروس بالتعاون مع الاستخبارات البريطانية، إضافة إلى كونه لا يخفي عداءه لنظام الرئيس بوتين.
وفي التاريخ المذكور، أصيب ليفنينكو بمرض لم يلبث أن أدى به إلى الوفاة بعد تناول وجبة من الطعام بصحبة رجل أعمال روسي آخر هو بوريس لوغوفوي. وأظهرت التحقيقات البريطانية أن سبب الوفاة هو تسمم بمادة مشعة، ما سمح لها باعتبار الحادث جريمة قتل، وباعتبار لوغوفوي، الذي كان قد عاد إلى روسيا، المشتبه الأول في تنفيذها.
وكان ليفينينكو قد اتهم الرئيس بوتين، بعد حادث التسمم، بأنه ضالع في محاولة اغتياله. ومنذ ذلك الحين، تفاقمت الأزمة بين روسيا وبريطانيا في ظل سعي هذه الأخيرة إلى إقناع الروس بتسليم لوغوفوي للتحقيق معه، وهو السعي الذي رفضته موسكو بموجب مادة في الدستور الروسي لا تسمح بالتحقيق مع المواطنين الروس في بلد اجنبي. كما فشلت المساعي الهادفة للتحقيق مع لوغوفوي في روسيا من قبل محققين بريطانيين، بسبب الرفض الروسي الذي أعقبه رفض بريطاني لاقتراح بالتحقيق معه في بلد ثالث بحجة أن ليفنينكو مواطن يحمل الجنسية البريطانية، ومن حق بريطانيا ان تحقق في قضيته فوق الأراضي البريطانية. وكان رئيس الوزراء البريطاني، طوني بلير، قد حاول الوصول إلى حل عند لقائه الرئيس بوتين في قمة الثمانية، في منتصف حزيران/ يونيو الماضي، ولكن دون جدوى.
وبذلك، وصلت القضية إلى الباب المسدود الذي حاولت حكومة غوردون براون زحزحته عبر اللجوء إلى إجراءات من النوع الصارم حيث قامت، مطلع الأسبوع الماضي، بتقليص منح التأشيرات للدبلوماسيين الروس وبإعادة تقويم العلاقات مع روسيا في عدد من المجالات، متوجة ذلك بطرد أربعة من العاملين في السفارة الروسية في لندن.
ولم تتأخر روسيا في الرد، إذ قامت، بعد أربعة أيام، بوقف منح التأشيرات للدبلوماسيين البريطانيين، وتعليق التعاون مع بريطانيا في مجال مكافحة الإرهاب، إضافة إلى طرد أربعة من الدبلوماسيين العاملين في السفارة البريطانية في موسكو.
وينتظر بعض المراقبين ظهور المزيد من التشنجات في العلاقات بين البلدين خلال الأسابيع والشهور القادمة، بعد أن وصلت إلى أسوأ مستوى لها منذ انهيار النظام السوفياتي.
غير أن مراقبين آخرين يتوقعون انحسار الأزمة ويعتمدون في ذلك على اكتفاء روسيا بطرد أربعة دبلوماسيين بريطانيين بدلاً من سبعين كمؤشر على ما يعتبرونه رغبة من موسكو في احتواء المشكلة، وهو الأمر الذي أكده تصريح للرئيس بوتين قال فيه بأن البلدين سيتغلبان على هذه الأزمة "الصغيرة".
ويعلل المراقبون اعتقادهم هذا بالضرورات التي يفرضها التبادل التجاري بين البلدين حيث أن بريطانيا توظف 12 مليار دولار داخل روسيا، وتشتري منها كميات كبيرة من النفط والغاز والمعادن الثمينة.
ولكن العودة إلى الوئام تبدو صعبة المنال في ظل الشحن الإعلامي المتبادل حيث يقول البريطانيون بأن من حق روسيا أن تسعى إلى استعادة هيبتها السوفياتية، ولكن دون كل هذا الاعتداد بالنفس، في حين يهزأ الروس من الترهل البريطاني الحالي وسخف أحلام البريطانيين باستعادة تاريخ بريطانيا الاستعماري.
إضافة إلى قضايا شائكة أخرى تتراوح بين الإسهام البريطاني في المحاولات الغربية لزعزعة روسيا من خلال تأييد الاتجاهات المعادية لروسيا في أوكرانيا وجورجيا والشيشان، وإلى احتضان بريطانيا للملياردير الروسي المنشق بوريس بيريزوفسكي، وصولاً إلى الأبعاد الاستراتيجية المتصلة بالحلف الأميركي البريطاني والسعي الروسي الحالي من اجل العودة إلى احتلال موقع أساسي على المسرح الدولي...
ع.ح.
الانتقاد/العدد1225 ـ 27 تموز/يوليو2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018