ارشيف من : 2005-2008
عالم اليوم بين الحرائق والفيضانات
فيضانات غير عادية في الهند والصين وباكستان وإندونيسا والفيليبين. فيضانات مشابهة في بريطانيا وألمانيا وسويسرا. وهي كلها ناشئة عن العواصف والأمطار الغزيرة التي تغص بها الأنهار ومجاري المياه وما يؤدي إليه ذلك من إغراق السهول والمناطق الواطئة بما فيها من مدن وقرى، وما يرافق ذلك من انزلاقات طينية وانقطاع طرق وتعطل إمدادات الماء والكهرباء والغذاء. الأمطار الغزيرة التي ضربت بريطانيا قبل ثلاثة أسابيع موقعة عدداً من الضحايا البشرية وخسائر مادية قدرت بملياري دولار، مع تضرر 30 ألف منزل، عادت إلى التحرك بقوة أشد، نهاية الأسبوع الماضي، ما دفع رئيس الوزراء، غوردون براون، إلى تشكيل خلية أزمة لوضع استراتيجية قومية لمواجهة الفيضانات. وقد استدعت المواجهة الحالية تدخل مروحيات الجيش لانتشال مئات الأشخاص الذين دفعهم طوفان المياه إلى الصعود إلى سطوح المنازل في القرى والمدن المعزولة والتي تحول بعضها إلى جزر حقيقية مهددة بالغرق. وقد اضطر مطار هيثرو القريب من لندن إلى إلغاء 114 رحلة بسبب الأعاصير. لا تقارير حتى الآن عن حجم الخسائر المادية، ولكن صحيفة الاندباندنت اعتبرت أن على بريطانيا أن تهيئ نفسها لوضع يكون عليها فيه أن تخصص 22 مليار جنيه استرليني سنوياً لمواجهة التغيرات المناخية الناشئة عن الانحباس الحراري.
التوقعات، على المستوى العالمي تشير إلى أن هذه التغيرات باتت تضرب اليوم ما يتراوح بين 15 و20 بالمئة من الاقتصاد العالمي. فيضانات من نوع آخر ناجمة عن ارتفاع مستوى المياه في البحر، بسبب ذوبان الثلوج في القطبين، باتت تهدد الكثير من الجزر والمناطق الساحلية إلى درجة دفعت بعض المتفكهين إلى توقع وصول شواطئ المانش قريباً إلى باريس، مع ما يوفره ذلك من سعادة لعشاق السباحة وارتياد الشواطئ.
الخوف على أشده من هذه الظاهرة في المناطق الواطئة كهولندا وبلجيكا وشمال ألمانيا حيث تقام حواجز ضخمة لمنع مياه بحر الشمال من اجتياح اليابسة. وقد خصصت هولندا مؤخراً مليار دولار لإقامة حاجز من هذا النوع بطول ثلاثين كيلومتراً. وكانت شركة شنايدر الألمانية لصيد الأسماك قد شارفت على الإفلاس، قبل عشر سنوات، بعد انفجار سد فوق أرض تقع تحت مستوى البحر ما أدى إلى إغراقها وتدمير السفن والشباك الخاصة بالشركة، إضافة إلى إجبار الآلاف على ترك منازلهم في كل من ألمانيا وبولندا.
هذا لجهة الأمطار والفيضانات التي قتلت، بالإضافة إلى ما يجري في بريطانيا، مئات الأشخاص وتسببت، ولا تزال، منذ بداية الصيف، بخسائر مادية هائلة أيضاً في بلدان آسيا الشرقية والجنوبية المكتظة بالسكان في السهول وحول مجاري الأنهار.
وفي هذا الإطار، يقول تقرير صادر عن شركة سويس راي للتأمين ان الكوارث الطبيعية قد قتلت، العام الماضي، ما يزيد عن 22 ألف شخص في العالم بينهم 7 آلاف قتلتهم الفيضانات والأعاصير.
أما لجهة ارتفاع درجات الحرارة، فمسرح الهجمة هو أوروبا الوسطى والجنوبية والولايات المتحدة الأميركية.
موجة الحر تسببت بـ21 حريقا في مناطق مختلفة من إيطاليا، ونيران الحرائق التي اجتاحت اليونان وصلت إلى أبواب أثينا.
وفي الحالتين، لم تنجح وسائل الإطفاء الأرضية ما استدعى استخدام طائرات الإطفاء التي لم تصادف نجاحاً أكبر بسبب تلبد السماء بغيوم كثيفة من الدخان الأسود.
درجات الحرارة تجاوزت الـ45 درجة في رومانيا و40 درجة في اليونان و44 درجة في تركيا و42 درجة في المجر و41 درجة في مولدوفا، وهي أعلى درجات سجلت منذ ستين عاماً.
والناس يتساءلون عما إذا كانت الشمس قد سقطت على الأرض، في وقت أدت فيه موجة الحر إلى مقتل المئات أكثرهم من المسنين والأطفال والمصابين بأمراض القلب والشرايين في رومانيا وإيطاليا واليونان.
الصورة مشابهة في الولايات المتحدة حيث تجاوزت الحرارة الأربعين مئوية في أوريغون الواقعة شمالاً والمعروفة بطقسها البارد. أما في مناطق جنوبية وصحراوية مثل لاس فيغاس فوصلت الحرارة إلى 47 مئوية، وإلى 53 مئوية في منطقة "وادي الموت" في كاليفورنيا. 47 درجة أيضاً في فونيكس أريزونا التي يقصدها المرضى والمسنون عادة بسبب طقسها المنعش. مئات المراكز المكيفة فتحت للأشخاص الذين لا يمتلكون اجهزة تكييف وجرى توزيع الماء المبرد وعصير الليمون في العديد من المدن الأميركية للتخفيف من وقع المشكلة على الناس. كما اندلعت حرائق ضخمة في ست ولايات أميركية.
وفي هذا الإطار، يشير تقرير للمنظمة العالمية لأحوال الطقس إلى أن العام 2007 هو، بعد العام 1998، الأكثر حرارة، على المستوى العالمي، منذ البدء بقياس درجات الحرارة في العام 1860، وأن الفترة بين 1990 و2007 عرفت السنوات العشر الأكثر سخونة في التاريخ المعروف، ما ينبئ بأن المشكلة البيئية ستزداد تفاقماً في السنوات القادمة. سيناريوهات كئيبة يرسمها المختصون لما سيكون عليه حال العالم في المستقبل القريب.
وكانت الصحافة البريطانية قد نشرت، قبل سنوات، تقريراً سرياً للبنتاغون، تحدثت عنه صحيفة "الانتقاد" في حينه، حول الأخطار المحدقة بالعالم من جراء الكارثة البيئية. ومن الأمور التي يذكرها التقرير أن مناطق عديدة في العالم لن تكون قابلة للسكن في غضون العقود القادمة, لكن الأهم هو تركيز التقرير على أن الأديان والإيديولوجيات والقوميات لن تكون هي ما سوف يتسبب بحروب القرن الحادي والعشرين، بل الكارثة البيئية الناتجة عن التغيرات المناخية. تلك الحروب لن تأخذ فقط شكل الصراع بين الإنسان والطبيعة بالشكل الذي يحدث في ظل الفيضانات وموجات الحر التي تضرب العالم بوتائر متزايدة، بل نتيجة لما تؤدي إليه هذه التغيرات من مشكلات اقتصادية واجتماعية تدفع الأمم والدول إلى محاولة حل مشكلاتها عن طريق الحروب، في ظل أوضاع تصبح فيها أوروبا شبيهة بسيبيريا، وتنشب فيها حروب بين الهند وباكستان والصين على مجاري المياه، وحروب بين بلدان أوروبا الساحلية حول صيد الأسماك. إضافة إلى نزوح الملايين من البلدان المنكوبة نحو بلدان أخرى، وخاصة إلى أوروبا، التي ستشهد نزاعات داخلية بسبب ذلك... وعلى هذا الأساس، يتقدم التقرير بتوصيات لإدارة الرئيس بوش يطلب فيها جعل مسألة المناخ "رهاناً أمنياً" على المستوى القومي، وسط تصاعد القلق إزاء السياسات الأميركية المناهضة لما يبذل من جهود، على المستوى الدولي، للحد من تفاقم الأزمة البيئية التي تنكشف يوماً بعد يوم عن كونها ناتجة بشكل حصري عن النشاط "الحضاري" البشري ونمط العيش الأميركي المعولم القائم على الاستهلاك المفرط للطاقة...
عقيل الشيخ حسين
الانتقاد/العدد1225 ـ 27 تموز/يوليو2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018