ارشيف من : 2005-2008

واشنطن وبغداد...تجاذبات المواقف وتقاطع "الأجندات"

واشنطن وبغداد...تجاذبات المواقف وتقاطع "الأجندات"

بغداد ـ عادل الجبوري
علّق سياسي عراقي من خارج دائرة الحكومة والبرلمان على المعلومات التي سربتها بعض وسائل الاعلام عن بروز خلافات حادة بين رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي وقائد القوات الاميركية في العراق الجنرال ديفيد بترايوس حول قيام الاخير بتسليح جماعات سنية، متسائلا "ومن قال ان هذه القضية هي نقطة الخلاف الوحيدة بين المالكي وبترايوس، او بين العراقيين والاميركيين؟.. انها واحدة من عشرات القضايا منذ عهد بول بريمر ومرورا بعهد الثنائي السفير خليل زاد والجنرال وليم كيسي وصولا الى الحالة الراهنة".
وما قد يتفق عليه الكثيرون من داخل دائرة العملية السياسية ومن خارجها ان التعاطي الاميركي مع الوضع العراقي ساهم في كثير من الاحيان في خلق مزيد من التعقيد للمشاكل والازمات السياسية وغير السياسية، وتسبب بإحراجات غير قليلة للحكومة العراقية الحالية والحكومتين اللتين سبقتاها، ولعل رئيس الوزراء الحالي عبر في مرة من المرات صراحة عن تلك الإشكالية في سياق تناوله للوضع الأمني في البلاد بإشارته إلى انه لا يستطيع تحريك وحدة عسكرية عراقية من دون تنسيق مسبق مع قيادة قوات الاحتلال في العراق.
فعلى سبيل المثال فإن الكثير من عمليات الدهم والتفتيش التي تقوم بها القوات الاميركية في مناطق من العاصمة بغداد ومحافظات اخرى تتم بعيدا عن أي تنسيق مع الأجهزة الأمنية والعسكرية العراقية، وتتضمن إساءات بالغة لحقوق الإنسان ولا مبالاة بالمعايير التي ينبغي اتباعها.
وقبل بضعة أيام اشار رئيس لجنة حقوق الانسان في مجلس النواب العراقي(البرلمان) السيد محمد الحيدري الى هذه المسألة بقوله "ان هناك خروقات لحقوق العراقيين من قوات الاحتلال أثناء عمليات الدهم، وكذلك في السجون العراقية والأميركية، وان الجانب الأميركي لم يستجب لدعوات اللجنة في الحفاظ على كرامة العراقيين أثناء عمليات المداهمة التي تنفذها قواته".
وما يزيد الطين بلة قيام واشنطن بتسليح جماعات عشائرية سنية وايجاد ميليشيات مسلحة بهوية مذهبية وطائفية معينة تحت ذريعة مواجهة تنظيم القاعدة والقضاء على الارهاب. لان المفارقة هنا تكمن في ان الولايات المتحدة تعمل على إعادة تأهيل قوى مسلحة واطراف ضالعة في العمليات الارهابية، وهي بنظر الحكومة العراقية لا تختلف بشيء عن تنظيم القاعدة ان لم تكن واجهات او مفاصل له.
اطراف سياسية سنية ابدت ارتياحا واضحا للخطوة الاميركية على عكس اطراف سياسية شيعية، فالاولى رأت فيها نوعا من اعادة التوازن في الساحة العراقية لمصلحة الطرف السني، وفهمت تلك الخطوة على انها رسالة اميركية تنطوي على ابعاد ومضامين ايجابية، وذلك ما شجع شخصيات سياسية سنية مثل نائب رئيس الوزراء العراقي والقيادي في مؤتمر اهل العراق سلام الزوبعي الى اطلاق دعوة مفاجئة لضم عناصر كتائب ثورة العشرين وانصار السنة الى الاجهزة الامنية والعسكرية الحكومية باعتبار انها اظهرت قدرات قتالية عالية ومهارة في مواجهة القاعدة.
وعلى العكس من ذلك فإن اطرافا سياسية شيعية، وكذلك الحكومة اعتبرت ان مثل هذا الاتجاه من شأنه خلق المزيد من الاضطراب والفوضى، ويتيح فتح جبهات جديدة امام الدولة، ويتناقض مع التوجهات القائمة على تذويب وحل الميليشيات وانهاء وجودها، ويمهد لعودة جماعات من حزب البعث المنحل كانت ضالعة بارتكاب جرائم كبيرة الى دائرة السلطة.
وترى اطراف من الائتلاف العراقي الموحد بزعامة السيد عبد العزيز الحكيم ان دولا وجهات اقليمية تدفع بواشنطن لتسليح جماعات سنية تحت عنوان التوازن الطائفي، وهذا ما اشار اليه النائب عباس البياتي في تصريحات اذاعية قبل ايام قلائل. ولعل هناك مؤشرات ملموسة على وجود توجه عربي واقليمي من بعض الجهات لدفع واشنطن بهذا الاتجاه، مستغلين وجود مخاوف وتوجسات اميركية من هيمنة شيعية كبيرة على المشهد السياسي العراقي قد تهدد على المدى البعيد مصالح واشنطن في العراق والمنطقة.
ولا تخرج التسريبات الاخيرة لبعض وسائل الاعلام لتصريحات الناطق باسم قوات الاحتلال من وجود نية أميركية لإدراج كلّ من جيش المهدي ومنظمة بدر ضمن المجموعات الارهابية عن ذلك السياق، ولان ردود الفعل من هذين الطرفين كانت سريعة وحادة فقد حاول الاميركيون امتصاصها واستيعابها بتصريحات انطوت على تهدئة الامور والحؤول دون تأزيمها.
وحتى تصريحات النائب في جبهة التوافق العراقية والقيادي في الحزب الاسلامي العراقي اياد السامرائي التي قال فيها إن هناك شعوراً بأن رئيس الوزراء تعمد إفشال العملية السياسة لتسريع الانسحاب الاميركي من العراق لتخفيف ضغوط واشنطن عليه، فهمت بأنها نوع من التحريض للاخيرة ضد الحكومة ومحاولة خلط الاوراق، وهي تبدو متناغمة الى حد بعيد مع التعاطي الاميركي وخصوصا في الآونة الأخيرة.
خلاصة القول تذهب اكثر من جهة الى ان ما تقوم به واشنطن من تحركات لا يمكن النظر اليه والتعاطي معه الا من خلال المبدأ الاستعماري البريطاني "فرق تسد  divide and rule”. ولا سيما ان تلك التحركات لم تكن بعيدة من حيث توقيتاتها الزمنية عن التحركات الواسعة لاستكمال تشكيل ما يسمى بجبهة المعتدلين من اربعة اطراف سياسية وربما خمسة.
الانتقاد/ العدد1225 ـ 27 تموز/يوليو2007

2007-07-27