ارشيف من : 2005-2008

تركيا: حزب العدالة والتنمية يعزز مواقعه في مواجهة العلمانيين والجيش

تركيا: حزب العدالة والتنمية يعزز مواقعه في مواجهة العلمانيين والجيش

حسن الطهراوي ـ أنقرة
فوز ساحق وتاريخي حققه حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه رجب طيب أردوغان في الانتخابات التشريعية التي جرت في تركيا في الثاني والعشرين من تموز، بحصوله على 47% من أصوات الناخبين  الذين تجاوز عددهم الإجمالي 42 مليون ناخب. وجاء هذا الفوز بعكس كل التوقعات واستطلاعات الرأي العام التي كانت تتحدث عن تقدم الحزب، لكن دون الحصول على الأغلبية في البرلمان، خاصة بعد اصطفاف أحزاب المعارضة العلمانية في مواجهة حزب العدالة والتنمية والمظاهرات الشعبية الحاشدة التي نظمتها قبيل الانتخابات بذريعة الخطر الذي يتهدد النظام العلماني للجمهورية التركية، ومحاولة حزب العدالة إيصال مرشحه عبد الله غول إلى منصب رئاسة الجمهورية.
ففي ظل أجواء مشحونة وحالة من الاستقطاب جاءت هذه الانتخابات التي وُصفت بالمميزة والمصيرية، لأن الناخب التركي لا يصوت لحزب فقط، بل يصوت لمستقبل تركيا السياسي، إما بمنح الثقة من جديد لأردوغان وحزبه لمواصلة المسيرة التي بدأها قبل خمس سنوات من استقرار سياسي واقتصادي وإصلاحات ديمقراطية، أو بوضع نقطة النهاية لهذه المرحلة والمجيء بأحزاب المعارضة العلمانية والقومية إلى الحكم، المدعومة بشكل كبير من المؤسسة العسكرية. لكن نتائج هذه الانتخابات ورياحها جاءت بما لا تشتهي سفن العلمانيين والعسكر، وصوت نصف الناخبين الأتراك لحزب العدالة والتنمية، وأعطوه (340) نائباً من أصل (550) عدد نواب البرلمان. أما أحزاب المعارضة الأخرى فتقاسمت ما تبقى من أصوات الناخبين، وحصل حزب الشعب الجمهوري على نسبة (21%) ليمثل بـ(112) نائباً، يليه حزب الحركة القومية بنسبة (14%)، ليمثل بـ(112) نائباً. اضافة لـ(27) نائباً مستقلاً، منهم (23) نائباً من حزب المجتمع الديمقراطي الكردي.
أما الأحزاب الأخرى فمُنيت بهزيمة كبيرة وفشلت في تعدي حاجز عشرة في المئة، النسبة المطلوبة لإيصال مرشحيها إلى البرلمان.
الفوز الذي حققه أردوغان وحزبه وُصف بالتاريخي، فهذه المرة الأولى في تاريخ تركيا السياسي يستطيع فيها حزب السلطة زيادة نسبة أصواته في الانتخابات بدرجة كبيرة، والمرة الثالثة التي يحصل فيها حزب سياسي على نسبة تتجاوز (45%) من الأصوات. وبرغم هذا الفوز الساحق، إلا أن أردوغان في كلمة له أمام آلاف المحتشدين من أنصار حزبه للاحتفال بالفوز، دعا إلى الوحدة وفتح صفحة جديدة من أجل الارتقاء بتركيا، وتعهد بالحفاظ على مبادئ وأسس الجمهورية التركية. وقد وُصف كلام أردوغان بأنه رسالة تطمين خاصة إلى الجيش الذي يبدو أنه لم يكن سعيداً بهذا الفوز، فهو منذ البداية، أي الجيش، لم يخف دعمه الواضح والصريح للأحزاب العلمانية، وأصدر إعلانه الشهير في السابع عشر من نيسان، وتحذيرات شديدة اللهجة استهدفت حكومة أردوغان، وتحدث عن خطر وأعمال تستهدف النظام العلماني للجمهورية.
وبحسب المراقبين، فإن نتائج الانتخابات جاءت بمثابة تحذير شعبي رداً على تحذير الجيش، وأن المواطن يرفض بالقطع أي تدخلات من خارج الإطار السياسي والديمقراطي، ولا يحبذ تدخل الجيش بهذا الشكل في الحياة السياسية، وأنه أيضاً يقف إلى جانب المظلوم، فحزب العدالة والتنمية بحسب الكثير من الأتراك ظُلم عندما وقف عاجزاً أمام قرار المحكمة الدستورية التي ألغت عملية انتخاب مرشحه لرئاسة الجمهورية عبد الله غول.
أما على صعيد أحزاب المعارضة، وخاصة حزب الشعب الجمهوري  الذي استقوى بالجيش في صراعه السياسي مع حزب السلطة، فلم يحقق أي تقدم على صعيد أصواته برغم دخوله تحالفا مع أحزاب يسارية أخرى. ويبدو أن الناخب  أراد إيصال رسالة مفادها أنه لم يدعم المراهنين على خيارات من خارج البرلمان وصناديق الاقتراع. ولا شك في أن هذه الانتخابات ستكون لها تداعيات كبيرة على أحزاب المعارضة، سواء تلك التي دخلت البرلمان من دون أن تحقق النجاح المطلوب، أو تلك التي فشلت في دخوله. وأول هذه التداعيات جاء سريعا، حيث أعلن زعيم الحزب الديمقراطي (محمد أغار) استقالته من رئاسة الحزب فور الإعلان عن النتائج. وارتفعت الأصوات داخل حزب الشعب الجمهوري مطالبة باستقالة زعيمه (دينز مايكال).
ويمكن القول ان فوز حزب العدالة والتنمية في هذه الانتخابات وبهذه النسبة الكبيرة قد وجه ضربة قوية لأحزاب المعارضة التي انشغلت بقضايا جانبية وبإثارة الجدل حول العلمانية وما سُمي بالخطر الإسلامي من دون أن تقدم إلى الناخب الحلول والبرامج لقضاياه الأساسية، وهي أيضاً عززت مواقع العدالة والتنمية في مواجهة المؤسسة العسكرية. ويبقى السؤال: كيف سيتصرف الجيش تجاه هذا الوضع؟
من غير المتوقع أن يعاود الجيش التدخل بشكل سافر في مواجهة حزب العدالة والتنمية، أو على الأقل خلال الفترة القصيرة وبعد الدعم الشعبي الواسع الذي حظي به الحزب، وسيبقى في حالة انتظار لحين تشكيل الحكومة الجديدة، وكيف ستحل مشكلة رئاسة الجمهورية من خلال الإصرار على اسم عبد الله غول أو انتهاج سياسة توافقية داخل البرلمان، وكذلك كيف سيُتعامل مع مطالب الجيش المتكررة للموافقة على عملية عسكرية واسعة يقوم بها الجيش في شمال العراق لإنهاء الوجود المسلح لحزب العمال الكردستاني.
وربما تبقى هذه القضية ورقة ضغط من قبل الجيش والمعارضة على حكومة أردوغان في ظل تصاعد عمليات حزب العمال الكردستاني داخل تركيا.. لكن اللافت في هذه الانتخابات هو دخول المرشحين المستقلين بعددٍ كبير إلى البرلمان، وأغلبيتهم من الأكراد، وسيكون باستطاعتهم تشكيل مجموعة برلمانية باسم حزب المجتمع الديمقراطي المتهم بأنه على علاقة بحزب العمال الكردستاني. وربما يكون هذا الحزب هو المستهدف الجديد من قبل الجيش وأحزاب المعارضة، خصوصا القومية.
الانتقاد / العدد 1225 ـ 27 تموز/يوليو2007

2007-07-27