ارشيف من : 2005-2008

زيارة نجاد لدمشق : حرارة العلاقة السورية ـ الإيرانية وبرودة الأوهام

زيارة نجاد لدمشق : حرارة العلاقة السورية ـ الإيرانية وبرودة الأوهام

دمشق ـ أنس أزرق
زيارة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد الأخيرة لدمشق وما حملته من معان ودلالات، قضت بشكل أو بآخر على الآمال التي رسمتها بعض الدوائر الغربية الأوروبية والأميركية من انه لا بد من فك التحالف الإيراني ـ السوري، وانه من الممكن إبعاد سورية عن إيران، واخراج سورية من الدائرة الفارسية "على حد زعمهم" إلى الدائرة العربية "حلف العرب المعتدلين".
هذه الآمال لم تبق في مخيلة من رسمها بل حاولوا جاهدين أن ينفذوها، واعتقد البعض انه ربما نجح أو سينجح في دمشق، وهذا المطلب بالابتعاد السوري عن إيران نقله الموفدون الكثر: الأميركيون والأوروبيون والدوليون الذين زاروا دمشق في الآونة الأخيرة مكملين بقية الطلب بأن تكف دمشق عن دعم "حركات الإرهاب" وعلى رأسها حزب الله وحركة حماس والفصائل الفلسطينية.
كما كتب بعض الصحفيين والمعلقين أن اجتماع شرم الشيخ لدول جوار العراق وإعلان العهد الدولي لدعم العراق وما حصل فيه ولا سيما لقاء المعلم ـ رايس كان خطوة في هذا الاتجاه، وزعموا أن هذه المحاولات قد لبدت بغيومها الى حدّ ما العلاقة السورية ـ الإيرانية.
المحاولة ذاتها ولكن بشكل آخر كانت تجري مع طهران، فتم الإعلان أن الاتفاق مع طهران أسهل وأفضل من الاتفاق مع دمشق. وفي المحاولتين كان الإيرانيون والسوريون يطلعون بعضهما على تفاصيل هذه المحاولات كما قال لنا السفير الإيراني في دمشق الشيخ حسن أختري.
وسرعان ما جاء الإعلان عن زيارة نجاد الثانية لدمشق ليكون أول المهنئين للرئيس بشار الأسد بعد أدائه قسم الولاية الدستورية الثانية كما فعل الرئيس الأسد إذ كان أول مهنئي نجاد بوصوله إلى رئاسة الجمهورية.
وقبل هذه الزيارة كان الإعلان عن عدد من المشاريع الاقتصادية المشتركة. ولعل الإشارة الرمزية كانت قيادة الرئيس الأسد ونائب الرئيس الإيراني برويز داودي لأول سيارة من سيارات "شام" المشروع السوري ـ الإيراني المشترك لإنتاج السيارات في دمشق، وبعدها كانت اجتماعات تنفيذية للطرفين في دمشق للبحث عن حلول للعقبات التي تقف حائلا دون تنفيذ كل الاتفاقات والمشاريع بين البلدين.
في المعنى السياسي لا بد من الوقوف عند بعض الإشارات السورية ومنها جواب الرئيس الأسد في قمة الرياض لسؤال صحفي عن عودة دمشق لحضنها العربي بالقول: "إن دمشق لم تكن يوما في غير مكانها العربي والسؤال يجب أن يوجه للآخرين أين كانوا؟".
وأيضا جواب الوزير المعلم في أحد المؤتمرات الصحفية مع وزير أوروبي طرح موضوع فك الارتباط "على الآخرين أن يستثمروا في العلاقة السورية ـ الإيرانية التي هي لمصلحة المنطقة وأمنها وسلامها".
لقد أعطت الزيارة ببعض إشاراتها الرمزية والصريحة إجابة شافية لهذه الأحلام ـ الأوهام بأن العلاقة الاستراتيجية التي نشأت بين دمشق وطهران في أعقاب انتصار الثورة الإسلامية عام 1979 وخرجت من امتحانات عسيرة مرت بها المنطقة "الحرب العراقية ـ الإيرانية، مفاوضات التسوية، حرب الخليج الثانية..." إنما هي مؤهلة للحياة والاستمرار أكثر بكثير مما هي مرشحة للضعف والزوال.
عبّر عن ذلك الرئيس الأسد في المؤتمر الصحفي المشترك مع الرئيس نجاد حين قال إن "ما يميز هذه الزيارة هو الارتياح الكبير الذي يتجاوز الارتياح الذي كان يحصل في كل اللقاءات السابقة بسبب أن الرؤية البعيدة المدى للسياسة السورية ـ الإيرانية أثبت صحتها أكثر من قبل... نحن متفائلون بمستقبل المنطقة، وطبيعي أن نبحث كل ما يحاك من مؤامرات لهذه المنطقة".
صيف ساخن وجبهة متحدة!
هذا الارتياح عند السوريين من نتائج الزيارة يعكس الاتفاق بين الطرفين على تجاوز المرحلة الصعبة القادمة، ولم يخفِ الرئيس الأسد أن الأشهر القادمة ربما ستحدد ملامح المرحلة المقبلة كما صرح بخطابه أمام مجلس الشعب في خطاب القسم.
ولكي يتجاوز الطرفان هذه المرحلة من الضغوطات الأميركية والصهيونية عليهما كان التأكيد من الرئيس نجاد على الجبهة المتحدة في وجه أعداء المنطقة، والتي سبق أن تحدث نجاد لأول مرة عنها من مقام السيدة رقية "عليها السلام" لقناة المنار في زيارته الأولى لدمشق في العام الماضي.
هذه الجبهة لا تخشى التهويل بصيف ساخن بل هي تأمل بحرارة مرتفعة للصيف "بفعل انتصارات متتالية تحققها شعوب المنطقة وإخفاقات لأعدائها، وحرارة العلاقة السورية ـ الإيرانية لا تؤثر عليها هذه الضغوطات أبداً، بل حتى برودة الشتاء لا تؤثر فيها، على حد تعبير الرئيس نجاد.
المسافات التي حاول هؤلاء الأعداء وحلفاؤهم خلقها بين دمشق وطهران ساهمت بتقوية محور المقاومة والممانعة ضد المشروع الأميركي ـ الصهيوني في المنطقة، ولعل لقاء الرئيس نجاد في دمشق بحركات المقاومة إشارة واضحة من دمشق وطهران إلى عزم وتصميم وعدم خشية هذا المحور من التهويل عليه، وثقة هذا المحور بنفسه وبقدرته... وهذا ما عكس القلق الصهيوني من نتائج هذه الزيارة.
خوف الآخرين؟
إلا أن هذا المحور يؤكد أنه ليس موجهاً ضد أحد في المنطقة، وهو حريص على مصلحة المنطقة وأمنها وسلامها، لذا فهو يؤكد على دعم الحوار الفلسطيني ـ الفلسطيني، وعلى أمن وسلامة واستقرار واستقلال العراق، وعلى تعزيز الوحدة الوطنية والوفاق الوطني وما يجمع عليه اللبنانيون كافة بما يضمن أمن واستقرار لبنان وسلامة أراضيه وحق الشعب اللبناني في مقاومة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة ضد السيادة اللبنانية، واسترجاع ما تبقى من أرضه المحتلة كما أكد البيان الختامي للزيارة.
الانتقاد / العدد 1225 ـ 27 تموز/يوليو2007

2007-07-27