ارشيف من : 2005-2008
جمعة ومها... عرسُ مؤجل على معبر رفح...
رام الله ـ ميرفت صادق

في مقهى للانترنت بمدينة العريش المصرية، جلس الشاب جمعة يونس ينقل لعائلته في حي الشيخ رضوان بغزة، أخباره مع خطيبته وعائلتها المكونة من عشرة أفراد، والعالقين معا منذ الخامس والعشرين من حزيران/ يونيو الماضي على الحدود المصرية الفلسطينية، دون السماح لهم بالدخول لإتمام مراسيم زواجه على ابنة عمه "مها" القادمة معه من السعودية.
جمعة (26 عاما) الذي سافر منذ تشرين الأول/ أكتوبر الماضي إلى السعودية للعمل من أجل تدبر أمر زواجه، ولم يجد سوى فرصة متواضعة في مصنع للبلاستيك (برغم شهادة البكالوريوس في الصحافة التي يحملها)، قرر هذا الصيف العودة مع خطيبته إلى قطاع غزة للاحتفال "بعرس" صغير مع عائلته في حي الشيخ رضوان، لكنه اصطدم بمعبر مغلق، وعلق بين موعدين لعرس مؤجل.. ذهب الموعد الأول.. وها هو الموعد الثاني يلحقه دون أمل بأن تنتهي هذه المأساة.
يقول العريس الذي حادثنا عبر الانترنت كأرخص وسيلة يمكن الحديث بواسطتها: "وصلنا أنا وخطيبتي مها وعائلتها منذ الخامس والعشرين من حزيران الماضي/ يونيو إلى معبر رفح، وكما توقعنا بعد الأحداث التي وقعت في غزة مؤخرا، كان المعبر مغلقا.. كنا نظن أن الأمر لن يطول سوى أيام قصيرة.. وها نحن منذ شهر ننتظر رحمة رب العالمين..".
وفي الثاني عشر من تموز/ يوليو حدد العروسان الموعد الأول لزواجهما، ولذلك قررت عائلة العروس التي تقطن في السعودية العودة إلى قطاع غزة، قبل ذلك بأسبوعين من أجل استكمال الاستعدادات، قبل انتهاء مدة إقامتهم في غزة، أو مدة المغادرة المسموح بها من السعودية. "وأتى الموعد الأول.. وذهب.. ونحن عالقون بعد أن قررنا العودة واستئجار شقة صغيرة في مدينة العريش المصرية التي تبعد نحو 40 كيلومترا عن معبر رفح المغلق" يضيف جمعة.
موعدان لعرس واحد..
في الثاني عشر من تموز/ يوليو، موعد العرس الأول، اختار جمعة وخطيبته عدم الركون لقهر بلا فائدة ترجى، وذهبا لحضور عرس صديق لهما في مدينة العريش، لكن مع كثير من الحسرة والألم. وقالت مها: "يبدو أننا لن يكتب لنا مثل هذه الفرحة". ومع انقضاء الموعد الأول للعرس بعد أن حجزت العائلة في غزة قاعة للأفراح، ووزعت الدعوات، حاول العريس جمعة، إيجاد متسع لفرصة أخرى للعرس، حيث ذهب بالاتفاق مع عائلته وعائلة العروس لتحديد يوم 26-7 موعدا جديدا "لعل وعسى"... وها هو الآخر أيضا ينقضي دون أن يحضر العروسان.. ولم تكن مشكلة المواعيد المفقودة هي الوحيدة مع جمعة وخطيبته، بل حتى للمأساة أيضا تكاليفها المادية الباهظة، يقول جمعة: "منذ وصولنا لمعبر رفح وإقامتنا في مدينة العريش صرفنا ما يزيد عن الخمسة آلاف جنيه مصري من أجل توفير المسكن الذي يبلغ إيجاره اليومي 100 جنيه، إلى جانب مصروفات الأكل والحياة اليومية لعشرة أفراد هم والد ووالدة العروس وأشقاؤها والعريس وعمته.
7 آلاف عالق.. مرضى وموتى..
لحسن حظ جمعة، لم يعان أي من أفراد "العائلة العالقة" من مشاكل صحية، مثلما يعاني عدد كبير من بين أكثر من سبعة آلاف فلسطيني عالقين على الحدود المصرية الفلسطينية بعد أن أغلقت سلطات الاحتلال الإسرائيلي معبر رفح البري المخصص لعبور الأشخاص من وإلى قطاع غزة، وذلك منذ سيطرة حركة حماس على القطاع منتصف حزيران/ يونيو الماضي.
وتوفي منذ ذلك الحين وحتى الثالث والعشرين من تموز/ يوليو الجاري 30 فلسطينيا معظمهم من ذوي الأمراض المزمنة أو من المرضى الذين سافروا للعلاج في مصر ولم يسمح لهم بالعودة إلى قطاع غزة ما فاقم معاناتهم الصحية وأدى إلى وفاتهم.
الطقم... عبر الانترنت
وبسبب عدم تمكن العروسين جمعة ومها من الوصول إلى غزة وتحضير منزل الزوجية، قررت عائلة العريس القيام بالمهمة وشراء الأثاث بما فيه "طقم غرفة النوم" من أجل استثمار كل يوم يمضي لمصلحة انجاز العرس بمجرد وصول العريسين. يقول جمعة: "حتى تجهيزات المنزل لم يتح لنا أن نعيش فرحتها، وكان أن أرسل لي أخوتي صور الأثاث وتجهيزات المنزل عبر الإنترنت..!" وفي هذا الوقت تبدو مسألة فتح معبر رفح أمام العالقين من المرضى والحالات الإنسانية، غير معروفة المصير أو غير محددة بوقت، بعد أن عرضت سلطات الاحتلال استبدال عبور المواطنين العالقين إلى قطاع غزة من معبر رفح الذي تفرض السلطة الفلسطينية سيادة كاملة عليه بمراقبة أوروبية، إلى معبر كرم أبو سالم الذي تسيطر عليه سلطات الاحتلال، وهو الأمر الذي رفضته معظم القوى الفلسطينية على الرغم من أن قيادة السلطة أبدت نوعا من التراخي في قبول هذا العرض... ويعلق العريس جمعة على هذا المصير الضبابي بالقول: "عائلة خطيبتي لم تعد تملك الكثير من الوقت بسبب قرب انتهاء مدة إقامتها خارج السعودية، وأصبحنا نتخوف من قدرة العائلة على السفر حتى إذا سمح لنا بالدخول إلى غزة في ظل التهديدات باجتياح أو عدوان أو إغلاق المعبر مرة أخرى...".
إلى جانب ذلك، فالعروس نفسها ليس متاحا لها سوى 3 أشهر للمكوث في قطاع غزة، وعليها السفر بمجرد انتهائها مباشرة لتجديد إقامتها في المملكة السعودية، وقد مضى من هذه الفترة شهر كامل أيضا.
ولا يلوح في الأفق حاليا سوى خيار عودة عائلة العروس إلى السعودية على أن تنتظر "مها" وحدها مع خطيبها على معبر رفح لعل يوما قريبا سيشهد تطورا باتجاه فتحه.
الانتقاد/العدد1225 ـ 27 تموز/يوليو2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018