ارشيف من : 2005-2008
حرب ثقافات وهويات
الدكتور عبد الرحيم ملحس(*)
بات واضحا ان هناك عداءً عميقا من قبل الغرب، خاصة اميركا وانكلترة، وحليفتهما اسرائيل، للشعوب العربية والاسلامية، اتخذ اشكالا عديدة، كالاحتلال الفعلي لاوطانهم، وسرقة ثرواتهم، وتدمير البنى التحتية لدولهم، بما في ذلك قواهم العسكرية، والاقتصادية، والعلمية. ولا اريد هنا ان ادخل في اسباب هذا العداء، ولا في اهدافه اللذين اصبحا لا يخفيان على احد، ولا يفاجآن احدا، اذ انني اصبحت مهموما اكثر بمفاجآت واسباب واهداف ردود فعلنا، او ردود فعل بعضنا، تجاه هذا العدوان.
الطبيعي ان يهب الشعب، كل الشعب، الرسمي بشقيه العسكري والمدني، وكذلك الاهلي، كجسم واحد، لمقاومة العدوان بجميع اشكاله. لكن الذي نلاحظه ترك افواهنا مشدوهة، وعيوننا مسمرة، وآذننا مشوشة مما نرى ونسمع. فقد تمكن العدو في افغانستان والعراق ولبنان وفلسطين من بعث ثقافة محلية جديدة... ثقافة لا تقل خطرا عن عدوانه، لها وجود حقيقي، تدعو لقبول الهزيمة، بل تزينها!
لقد انقسمت الثقافة العامة في الاوطان العربية والاسلامية المعتدى عليها، الى ثقافتين محليتين متعاكستين واضحتي المعالم. ثقافة الهزيمة وثقافة المقاومة. يقود ثقافة الهزيمة ويعتنقها ابناء العولمة، والفاسـدون، و"الواقعيون جدا!"، وحكام معظم الانظمة العربية، أخصّ بهذا المعدّلين، والاعلاميون القابضون ثمن ضمائرهم. ابناء ثقافة الهزيمة تفوح منهم رائحة المال والمصالح الشخصية... العدوان على اوطانهم مناسبة استثمارية عندهم. اما ثقافة المقاومة فيقودها ويعتنقها اصحاب المبادئ الملتصقون بقيمهم، والاعلاميون الرافضون بيع ضمائرهم، ومعظم الطبقات الشعبية المقهورة، والمتعلقون بقيم الحرية والاستقلال. من هؤلاء يفوح شذى العزة والكرامة... العدوان على اوطانهم مناسبة لارضاء الله او الضمير.
انتصار ثقافة المقاومة اللبنانية، بعث امواجا من التغيير العسكري والسياسي والاجتماعي داخل كيان العدو جعلته يعيد حساباته ويراجع مشاريعه. كان انتصارا رائعا، لا بسبب فرعه العسكري فقط، لكن لانه سدد ضربة قوية لثقافة الهزيمة المحلية، اذ انه فجر في عقولنا وقلوبنا ووجداننا، مفاهيم معاكسة لمفاهيم هذه الثقافة كان سهلا عليها في السابق تسويقها... عقولنا التي نامت طويلا على الايمان بالعجز المطلق، افاقت على حقيقة الامكان والقدرة... قلوبنا التي ملأها الفشل المزمن بالخوف، نبضت فجأة بالجرأة الواعية... وجداننا الذي كان مستسلما يائسا، شع نورا بالرفض والمقاومة الباسلة. انتصار المقاومة اللبنانية كان انكسارا لثقافة الهزيمة، التي كان لا بد لها، حتى تخرج من خيبتها، ان تركز على هدم الحجارة وتتجاهل بناء العزة والكرامة.
تتحمل المقاومة اللبنانية التي تميزت بتسخير الايمان للعقل، والعقل للايمان، مسؤولية المواجهات الميدانية العسكرية مع عدو خطر معروف لديها، وهو امامها. لكن مسؤوليتها تمتد لمقاومة ومواجهة ثقافة الهزيمة التي يرعاها عدو نشط لا يقل خطرا، وهو خلفها. هذه المقاومة، بقيادة امينها الامين، تمسك في يدها الان اول الخيط لتغيير هائل، ان شاء الله، قادم... تغيير سيحدد مصير امتنا، وشكل ثقافتنا القادمة، وصورة هويتنا المستقبلية، لينقلنا من تابعين عبيد، الى اعزاء احرار.
الصراع الذي تخوضه وستخوضه وتقوده المقاومة اللبنانية وامينها الصادق عن العرب والمسلمين جميعا ليس صراع عسكر، ولا صراع سياسات... انه صراع ثقافات في الداخل، وصراع هويات مع الخارج.
(*)كاتب من الأردن
الانتقاد/ العدد 1226 ـ 3 أب/أغسطس 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018