ارشيف من : 2005-2008

ما بين رايس بائعة الأوهام وغيتس بائع الخوف : إلى أين تريد واشنطن أخذ المنطقة؟

ما بين رايس بائعة الأوهام وغيتس بائع الخوف : إلى أين تريد واشنطن أخذ المنطقة؟

كتب مصطفى الحاج علي
تأبطت رايس يد زميلها غيتس في جولة مشتركة إلى المنطقة.. الصورة في الحقيقة أكثر من معبرة: رايس الدبلوماسية وغيتس ممثل القوة العسكرية، وأكثر من ذلك هو ممثل مؤسسة الصناعة العسكرية الضخمة في الولايات المتحدة، التي تعتبر من مصانع السياسات الخارجية الأميركية، خصوصاً تلك التي تطلب افتعال الحروب.
ماذا يعني رمزياً مجيء الاثنين معاً؟ انه يعني بالدرجة الأولى تحالف بائعة الأوهام مع بائع الخوف! والتحالف هنا أكثر من ضروري، لأن الأوهام ليست هنا إلا لعبة الرغائب لطمس العيون عن رؤية الأمور كما هي، وللتغطية على ما يراد عمله فعلاً.
لجلاء هذا الأمر دعونا نفحص بضاعة الاثنين: رايس هي المروج لدعوة بوش الخاصة إلى مؤتمر دولي للسلام، والمعروف عن هذه الدعوة حتى الآن أنها ليست دعوة إلى الحل الشامل، وهي ما زالت محتفظة بمنهج العمل السابق، وهو منهج اسرائيلي بامتياز، متمثل بالانفراد بكل مسار تسووي على حدة. وإذا عرفنا أن سوريا غير مرغوب فيها ـ على الأقل حتى الآن ـ أميركياً، تصبح الدعوة محصورة بالمسار الفلسطيني ـ الإسرائيلي. الخطورة هنا تكمن في توقيت الدعوة، حيث جاءت بعدما آلت الأمور إلى ما آلت اليه فلسطينياً: حماس في غزة وسلطة أبي مازن في الضفة.. سلطة تقول كل أدبياتها الأخيرة إنها مسرورة بما حصل، لأنه يوفر لها فرصة الانعتاق من قيد حماس ومن المقاومة الفلسطينية معاً، وبالتالي الاستعداد للذهاب بعيداً على طريق ترتيب العلاقات الفلسطينية ـ الإسرائيلية.. وتبدو مشكلة "أبو مازن" الرئيسية ليست في شخصه، بقدر ما تبدو في ما يمكن أن يقدمه له الإسرائيلي، وهو بالتأكيد أقل بكثير من أبسط أحلام الشعب الفلسطيني، ولا ترقى قيد أنملة إلى درجة بسيطة من درجات تضحياته.. إنها الأوهام تعززها ضعة في النفس. والأغرب هنا أن يكون ثمن كل ما يقدم لسلطة "أبو مازن" هو عدم مد يده مجدداً الى حماس، أي ثمن الفتات الذي قدم للسلطة هو بقاء انقسام الساحة الفلسطينية على نفسها، هذا الانقسام الذي غطاه بقوة وزراء الخارجية العرب في لقائهم الأخير، حيث وحدها دمشق وقفت منتقدة ومستغربة.
وأكثر من ذلك، فمقابل هذا الثمن البخس تريد واشنطن تطبيعاً سريعاً في العلاقات بين "العرب المعتدلين" والكيان الإسرائيلي، وتحديداً بين السعودية وهذا الكيان، وإن كانت الرياض تظهر حتى الآن تردداً علنياً.. أو بمعنى أدق تبحث عن ثمن لهذا التطبيع، وهو إيجاد حلّ نهائي للقضية الفلسطينية، وليس حلاً نهائياً لقضية الصراع العربي ـ الإسرائيلي. اذاً القضية ليست قضية مبدأ بالنسبة الى الرياض، بقدر ما هي قضية توفير الذريعة المناسبة.
وفي مطلق الأحوال، فإن فحصا دقيقا لكل الخطاب البوشي المتعلق بالقضية الفلسطينية، يدرك تماماً أن هذه القضية لا مكان فعلياً لها في السياسة الاميركية خارج إطار الاستراتيجية البوشية في العراق.
فالذهاب الى حل قضية الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، وتالياً الصراع العربي ـ الإسرائيلي، يمر في العراق وتداعيات احتلال العراق على مجمل بلدان المنطقة.
من هنا كيف يمكن تصور أن يذهب بوش الى معالجة فعلية للقضية الفلسطينية، وهو يعاني ويكابد ما يكابده في العراق، وما يكابده أيضاً الكيان الإسرائيلي، خصوصاً بعد فشل عدوان تموز.
بكلمة أخرى، إن تحريك التسوية على المسار الفلسطيني ـ  الإسرائيلي ومحاولة صناعة أوهام حول آفاقها، ليس إلا عملية تضليل واسعة تستهدف الرأي العام العربي، وتوفير الذرائع المناسبة لأنظمة المنطقة خدمة لأهداف أخرى، تتعلق بالسياسة الأميركية في العراق أولاً، وفي مواجهة واشنطن لأعدائها في المنطقة ثانياً.
الحصيلة التي تريد واشنطن إيصال الأمور اليها يمكن إيجازها بالتالي:
ـ صياغة تحالفات واصطفافات جديدة في المنطقة قوامها منظومة دول الخليج زائد مصر والأردن، وذلك في مواجهة خصوم حددتهم رايس بدقة ووضوح: ايران وسوريا وحزب الله وتنظيم القاعدة.
هنا ملاحظتان لا يمكن تجاوزهما بسهولة: الأولى هي حرص واشنطن على الطابع التي لهذا التحالف بالمعنى السياسي للكلمة، والثانية حرص واشنطن على اعتبار الكيان الإسرائيلي هو الحليف الموضوعي، وبالتالي الشريك غير المعلن لهذا التحالف، وذلك في وجه ما ينظر له منذ مدة عن المحور الشيعي الممتد من ايران الى لبنان.
الخطورة التي تكمن في هذه السياسة الاميركية أنها تشكل محاولة منها لتشويه طبيعة الصراع في المنطقة، ولإحداث نقلة في مواقع المتصارعين. فبدلاً من أن يكون الصراع بين المنطقة والمشروع الأميركي ـ الصهيوني، يصبح الصراع بين دول وشعوب المنطقة على خلفية مذهبية.
هذا التشويه وهذه النقلة ما كانا ليحصلا لولا لعبة التخويف والاشتغال على العصبيات، التخويف من ايران ودورها في المنطقة، والتحريض على العصبيات المذهبية الدينية، وتحديداً السنة ضد الشيعة.
وفي مناخات كهذه يسهل تمرير أمرين مطلوبين:
الأول يتمثل بخطف الواقع السني من مساره التاريخي القومي والديني، خصوصاً في ما له صلة بالصراع مع الكيان الإسرائيلي، الى مسار يتناقض تماماً مع وضعيته التاريخية والقومية.
والثاني يتمثل بتهدئة الشارع العربي وإشغاله بمخاوف وتحديات مزيفة، بما يتيح لأنظمة المنطقة شراء المزيد من الوقت لنفسها، وإبعاد الأخطار المحدقة بها من شعوبها عنها.
ـ كما تشكل السياسة الآنفة محاولة لإعادة صياغة التوازنات الإقليمية من حول العراق وفيه، وذلك كجزء لا يتجزأ من تحضير المسرح لأحد احتمالات ثلاثة هي:
أ ـ ملء الفراغات وإيجاد خطوط الدفاع والاحتوء المطلوبة في المنطقة، في الفترة الفاصلة من الآن الى حين إعادة برمجة الاحتلال الاميركي في العراق على قاعدة الانسحاب.. وذلك كله في سياق مواجهة تداعيات الانسحاب والخسارة على حلفاء واشنطن في المنقطة عموماً، والكيان الإسرائيلي تحديداً.
ب ـ تحضير المنطقة لاحتمال الذهاب الى مواجهة تهرب من خلالها واشنطن الى الأمام، سواء نحو ايران أو سوريا أو حتى حزب الله.
ج ـ إيجاد التوازنات الضرورية للخروج بتسويات ولو جزئية، تسمح بتمرير مرحلة انتقالية بهدوء، ومن ضمن "ستاتيكو" محدد.
د ـ توفير الظروف الملائمة لحرائق متنقلة سواء داخل كل بلد على حدة أو بين هذا البلد وذاك.
خلاصة القول هنا، انه ما بين بائعة الأوهام وبائع الخوف سلاح تحددت وجهته سلفاً، لا يمكن أن نتوقع إلا المزيد من القلاقل والاضطرابات على حساب حريات الشعوب ومصالحها الحقيقية.
الانتقاد/ العدد 1226 ـ 3 أب/أغسطس 2007

2007-08-03