ارشيف من : 2005-2008

تضخيم دور إيران لتحجيمها أو... ضربها

تضخيم دور إيران لتحجيمها أو... ضربها

بقلم : د. عصام نعمان
ليست إيران بالتأكيد حملاً وديعاً. لكن هل أصبحت ذئباً كاسراً؟
من يتابع توصيفها على ألسنة المسؤولين الأميركيين والإسرائيليين ووسائل الإعلام الناطقة باسمهم أو الموالية لهم يأخذ هذا الانطباع. بل هو يلاحظ بسهولة تصعيداً متزايداً ضد إيران في الفترة التي أعقبت اللقاء الأول في بغداد أواخر شهر أيار الماضي بين السفير الأميركي إيان كروكر والسفير الإيراني حسن كاظمي قمي. ما السبب؟
لأميركا تفسير لذلك ولإيران تفسير مغاير. وثمة تفسير ثالث يمكن استخلاصه من واقعات الصراع الدائر بين الطرفين وتطوراته المتلاحقة.
السفيـر كروكـر اعترف عقـب اجتماعـه الأخير بالسفير كاظمي قمي بأن الاجتماع تخللته "سجالات ساخنة" و"لحظات توتر"،  لكنه "لم ينحـدر إلى مستـوى الصراخ المتبادل". ومع ذلك حرص السفير الأميركي على ان ينسب إلى السفير الإيراني قوله إن إيران "لا ترغب في إلحاق الهزيمة بالولايات المتحدة في العراق"!
هل في وسع إيران إلحاق الهزيمة بالولايات المتحدة حتى يضطر سفيرها في بغداد الى تطمين رئيسها وحكومتها وشعبها بأنها غير راغبة في ذلك؟
لعلها تستطيع إذا ما تحالفت مع قوى المقاومة العراقية، بتلاوينها جميعا، ومدّتها بالسلاح والعتاد. لكن دافع كروكر من وراء تصريحه ذاك لم يكن الإقرار لإيران بالقدرة والرغبة معاً بقدر الحرص على إدانتها بما اتهمها به من "أن الدعم الإيرانـي (لقوى المقاومة) شهدا تزايداً وليس تناقصا استناداً إلى شهادات المعتقلين والأسلحة والذخائر المصادرة".
سأله المراسلون الصحافيون عن خيارات واشنطن في حال استمرار الممارسات الإيرانية المشكو منها. أجاب: "أوضحت لهم ان ضباط قوة القدس (الإيرانية) والعاملين معهم لن يكونوا في مأمن في العراق. وهذا شيء يجب على الإيرانيين ان يكونوا على علم به".
مؤدى هذا الكلام ان القوات الأميركية لن تتوانى عن ضرب من تعتبرهم مقاتلين إيرانيين. هل تكتفي القيادة الأميركية بذلك؟ الجواب عن هذا السؤال كشفته، بصورة غير مباشرة، صحيفة "نيويورك تايمز" صبيحة يوم اجتماع كروكر الثاني مع كاظمي قمي. فقد أوردت ان القيادة العسكرية الأميركية في العراق صاغت خطةً تقضي ببقاء قواتها لمدة سنتين أخريين في هذا البلد، أي الى منتصف العام 2009 على الأقل.
الحقيقة انه سبقت اجتماع السفيرين الأميركي والإيراني في بغداد حملة متصاعدة شنّها وزراء ومسؤولون كبار في الولايات المتحدة و"إسرائيل"، ورافقتها تحليلات وتعليقات وتسويق معلومات عن عمليات تدريب وتسليح تقوم بها إيران لقوى مناوئة لأميركا وحلفائها في شتى أنحاء العالم. آخر ما أنتجته آلة الإعلام الأميركية في هذا المجال مزاعمُ نسبتها الى "مصادر أميركية مسؤولة" حول سيطرة إيران على نحو 460 ميلا مربعاً من الأراضي اللبنانية بغرض تدريب عناصر حزب الله، ووجود معسكرات تديرها عناصر "الحرس الثوري الإيراني" (الباسدران) لتدريب المقاتلين في سهل البقاع اللبناني، بالإضافة إلى تولي "قوة القدس" تدريب آلاف المقاتلين في منشآت الحرس الثوري في إيران.
إلى ذلك، عادت "المصادر الأميركية المسؤولة"، وبينها سفير واشنطن في بيروت جفري فيلتمان، الى اتهام حزب الله بـ" محاولة إطاحة الحكومة اللبنانية الشرعية". كل ذلك برغم ان السيّد حسن نصر الله أكد مراراً ان حزبه غير راغب فـي المشاركة في حكومة الوحدة الوطنية المقترحة، وانه يتنازل عن حصته إلى حلفائه من أحزاب المعارضة.
الحملة على إيران وسوريا وحزب الله و"حماس" لا يتولاها مسؤولون أميركيون ووسائل إعلام أميركية فحسب، بل يُساهم فيها ايضاً مسؤولون إسرائيليون كبار ووسائل إعلام إسرائيلية. ها هو ذا رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق وزعيم حزب ليكود بنيامين نتنياهو يتحدث في ختام لقائه بموفد اللجنة الرباعية الدولية طوني بلير عن أن رئيس الوزراء البريطاني السابق اتفق معه على ان إيـران "تشكّل اكبر تهديد للمنطقة، وان التسلح النووي الإيراني يشكّل خطراً على الشرق الأوسط والعالم كله". ولا يكتفي نتنياهو بالتحـريض على إيران بل يتمادى في حملته فيزعم ان "حزب الله هو امتداد إيراني، ولن يبقى قائما لمدة يومين من دون دعم الإيرانيين، وان حسن نصر الله ليس عميلا مستقلا، بل عميل متبجّح، وأنا أقترح عليه ألا يتبجح"!
لم يوضح نتنياهو سبب "غيرته" وبالتالي نصحيته لنصر الله بألاّ يتبجح في حين أوردت صحيفـة "هآرتس" سبباً ربما يكون مقنعاً لتبجحه المزعوم إذ نسبت الى مصادر أمنية فلسطينية قولها "إنه تمّ في الأشهر الأخيرة منع اختراق حزب الله لصفوف كتائب شهداء الأقصى (فتح) في الضفة الغربية، في مقابل تأكيد مصادر أمنية إسرائيلية عدم وجود مؤشرات الى انخفاض في أنشطة الحزب وسط التنظيمات الفلسطينية في الضفة وقطاع غزة".
حتى رئيس الوزراء البريطاني الجديد غوردون براون لم يتأخر هو الآخر عن المساهمة في الحملة على إيران وحلفائها بقوله اخيراً إنه يجب عدم استبعاد العمل العسكري في معالجة مسألة البرنامج النووي الإيراني.
الحقيقة المستخلصة من كل هذه الواقعات والتصريحات والمعلومات والاتهامات والافتراءات ان إدارة بوش، وفي ذيلها حكومة ايهود اولمرت، لم تضع على الرف، خلافاً لرأي بعض المسؤولين والمحللين العرب المتفائلين، ملف الإعداد لحربٍ ضد إيران وسوريا أو لضربة صاعقة توجهها "إسرائيل" لسوريا تكون مدخلا أو ذريعة، إذا اقتضى الأمر، لضربة أخرى توجهها أميركا لإيران. فالرئيس جورج بوش ونائبه ديك تشيني يعتقدان أن لا سبيل إلى الخروج من العراق بشكلٍ لائق وضمان مصالح أميركـا فيه وفي المنطقة إلا من خلال تسوية إقليمية ودولية، وان لا سبيل إلى التوصل لهذه التسوية في ظل ميزان القوى السياسي والعسكري الراهن في المنطقة، وان لا سبيل إلى تعديل هذا الميزان غير المؤاتي حالياً لأميركا إلاّ بتوجيه ضربة قوية لسوريا بغية إخراجها من حلبة الصراع، وربما بتوجيه ضربة أقوى إلى إيران إذا لم تقرر، في ضوء ما يكون قد أصاب سوريا، التخلي عن برنامجها النووي. غير أن الحديث عن هذه الحسابات والسيناريوهات لا يعني بالضرورة أنها مضمونة النتائج. فلإيران، كما لسوريا، من القدرات السياسية والعسكرية ما يمكّنهما من إحباط مخططات أميركا وتكبيدها أفدح الأضرار السياسية والاقتصادية، لا سيما النفطية منها، على مستوى المنطقة كلها.
الإعداد لحربٍ ضد سوريا او ضد إيران او ضدهما معا جارٍ على قدمٍ وساق في واشنطن كما في تل أبيب. وما هذه الحملة المتصاعدة على إيران وحلفائها إلا قرينة، إن لم تكن دليلا، على ان تضخيم دورها إن هو إلا مقدمة وذريعة لمحاولة تحجيمها أو لمجازفة ضربها.
سوء الظن ببوش وزمرته من حسن الفطن.
الانتقاد/ العدد 1226 ـ 3 أب/أغسطس 2007

2007-08-03