ارشيف من : 2005-2008
"الانزياح" الإسرائيلي تجاه دمشق : مواجهة تهديد سوريا بالمفاوضات معها
كتب يحيى دبوق
انتقلت سوريا بعد حرب تموز/ يوليو 2006، والصورة التي خرجت فيها "اسرائيل" بعد الفشل الذي مُنيت به، الى دولة خطر وتهديد استراتيجي على الدولة العبرية، بعد أن كان الخطر السوري بنظر الإسرائيليين يساوي صفرا قبل الحرب.
تبلورت قناعة لدى القادة الإسرائيليين، ومنهم معظم قيادات الأجهزة الأمنية والعسكرية في الكيان، ان السبيل الأمثل لمواجهة الخطر السوري "المتجدد" هو ان تعمد "اسرائيل" الى فتح قناة تفاوضية جديدة مع دمشق، تهدف في ما تهدف اليه، الى لجم الاندفاعة السورية المقروءة اسرائيليا، باتجاه تحسين قدراتها العسكرية وجاهزيتها للحرب مع "اسرائيل" او لشنها عليها.
ما يلفت في الانزياح الإسرائيلي الاخير تجاه سوريا، بعد رفض قاطع غير قابل للاستئناف من قبل الأميركيين لإجراء أي مفاوضات مع دمشق، ان الموقف الاميركي نفسه انتقل الى نوع من الرضا، وهو ما أشار اليه الرئيس الاميركي جورج بوش لدى زيارة أولمرت الاخيرة الى واشنطن، من ان "اسرائيل دولة ذات سيادة، وأميركا لن تقف في طريقكم اذا نضجت الظروف لاستئناف المفاوضات مع سوريا".
وكان الوزير السابق للحرب ولرئاسة أركان الجيش الإسرائيلي شاؤول موفاز، أكثر مباشرة في شرحه الاسباب الكامنة وراء "انزياح" الموقف الإسرائيلي تجاه سوريا بعد الحرب، اذ قال: "على ضوء الاستعدادات العسكرية السورية في هضبة الجولان، بتعزيز قواتها وشراء صواريخ أرض ـ جو وصواريخ متقدمة من إيران، واستمرار تدفق الصواريخ بعيدة المدى من سوريا إلى حزب الله في لبنان، توجد الآن حاجة إلى مبادرة سياسية إسرائيلية بمباركة الولايات المتحدة في محاولة لتعطيل أبخرة الوقود الهائلة التي تهدد بالاشتعال في المنطقة في الأشهر القريبة القادمة".. مضيفا من باب استدراك أن تُفهم رسالته هذه المبطنة شرحا للأسباب الداعية اليها: "على الولايات المتحدة وفرنسا أن تنقلا رسائل واضحة للرئيس السوري بشار الأسد كي لا يخطئ في فهم نيات "إسرائيل"، وكي لا يرى في استعدادها لاستئناف الاتصالات معها مؤشر ضعف".
ما الذي يدفع بـ"اسرائيل" لأن تغير من سياساتها الرافضة للمفاوضات مع سوريا باعتبارها إحدى دول محور الشر، اضافة الى ايران وحزب الله وحماس والجهاد الاسلامي، وأن تتخلى عن المقاربة السابقة الرافضة لأي تفاوض معها؟
يقرأ الإسرائيليون تغييرا في القوة السورية القادرة على الدفاع وعلى الهجوم أيضا، بمعنى يستند على فهم وإدراك السوريين لقوتهم بعيدا عن منظومات الأسلحة التي يتحدث عنها الإسرائيليون في الآونة الاخيرة. يعود هذا التغيير الى نتائج الحرب الاخيرة على لبنان وفشلها، اذ أظهرت الجيش الإسرائيلي بصورة مغايرة عما كان يُنظر اليه، ما استدعى قراءة سورية جديدة تقوم على فهم أفضل لقدراتهم الذاتية قياسا على قدرات حزب الله في الحرب، الذي أفشل خطط الجيش الإسرائيلي ميدانيا في جنوب لبنان.. اضافة الى ذلك فالإسرائيليون أنفسهم فهموا حدود القوة الموجودة لديهم، سواء لجهة حزب الله وأكثر من ذلك تجاه سوريا وقدراتها بعد التغيير في فهم سوريا لقدراتها هي.
يمكن القول بناءً على ذلك، ومع استحضار ضعف رئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود أولمرت على إطلاق المفاوضات مع سوريا أساسا، ناهيك عن القدرة في الانسحاب من الجولان كثمن بديهي لهذه المفاوضات، كما يرى الإسرائيليون ذلك على الأقل، اضافة الى الاستعدادات التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي التي تشمل تسلحا اضافيا نوعيا وتدريبات ومناورات تشبه مواجهة شاملة مع سوريا مع التركيز على الجانب البري، بعد ان تبين فشل سلاح الجو كسلاح وحيد في تأمين النصر لـ"اسرائيل"، يمكن القول ان "اسرائيل" تخشى ان يقدم السوريون على شيء ما يعيد قلب كل الوضع الراهن، ما يستدعي منهم تحريكا للمفاوضات وبث رسائل طمأنة لدمشق، وفي الوقت نفسه العمل الحثيث على استعادة القدرة على مواجهة أي مفاجأة سورية ميدانيا.
يحتاج الجيش الإسرائيلي لاستعادة جاهزيته المنكشفة بناء على نتائج الحرب الاخيرة على حزب الله وعلى مجرياتها الميدانية، الى سنوات عدة بحسب التصريحات العسكرية الإسرائيلية الاخيرة. وفي هذا الوقت مطلوب من "اسرائيل" ان تعمل لإيجاد الظروف القادرة على نزع أي احتقان ممكن تجاه الجبهة الشمالية، الامر الذي يفسر المنسوب الكبير للتصريحات المحذرة من القدرة السورية والداعية الى المفاوضات معها، وإلى ان يجهز الجيش الإسرائيلي لمواجهة سوريا، بالمعنى القادر على الحسم السريع عسكريا معها عند المواجهة. ستبقى المفاوضات مطلبا لدرء الحرب عن "اسرائيل"، بعد ان كانت الحرب نفسها او التهديد بها مطلبا لصد ومنع المفاوضات.. إنها مفارقة ما بعد الحرب على حزب الله واكتشاف "اسرائيل" حدود القوة لديها.
الانتقاد/ العدد 1226 ـ 3 أب/أغسطس 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018