ارشيف من : 2005-2008

المالكي وبترايوس.. الصورة المصغرة لواقع العلاقة بين واشنطن وبغداد

المالكي وبترايوس.. الصورة المصغرة لواقع العلاقة بين واشنطن وبغداد

بغداد ـ عادل الجبوري
يبدو ان الخلافات والاختلافات بين رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي من جهة وقائد قوات التحالف في العراق الجنرال ديفيد بيترايوس من جهة اخرى فرضت نفسها على قضايا سياسية اخرى، وألقت بظلالها على أجزاء من المشهد السياسي العام وعلى اجواء ومناخات بعض الكواليس والاروقة السياسية في العاصمة العراقية بغداد، وربما في العاصمة الاميركية واشنطن ايضا.
والطريف انه حينما سئل الجنرال بيترايوس عن حقيقة وطبيعة الخلافات، قال ان الامر لا يخلو من وجود اختلافات وخلافات، لكن لم نصل إلى حد التشابك بالأيدي!.
مصادر رئاسة الوزراء، وتحديدا المستشار السياسي لرئيس الوزراء صادق الركابي، نفى التقارير التي تحدثت عن وجود خلافات بين المالكي والقائد الاميركي، قائلا انه سأل المالكي عما تداولته وسائل الاعلام مؤخرا، وقد ابلغه بعدم وجود أي مشكلات على الاطلاق، مشيرا الى انه حدثت توترات بسبب تجنيد القوات الاميركية لشرطة من قبيلة عربية سنية للقتال ضد تنظيم القاعدة، الا انه تم التوصل بعد ذلك الى اتفاق لتشكيل لجنة حكومية عراقية لإجراء مسح للمجندين من قبل القوات الأميركية.
اما الجيش الاميركي فقد نفى من جانبه وعلى لسان الكولونيل ستيف بويلان المتحدث باسم بيترايوس أي معلومات او تسريبات عن خلافات بين الرجلين، مشيرا الى انهما يجريان محادثات صريحة ومنفتحة للغاية، وربما مباشرة، ويواصلان عمل ذلك، وبالنظر الى الاخطار الماثلة هنا، فإن هذا هو المطلوب عمله، ويجب توقع ان يكون الجانبان قادرين على اجراء حوار منفتح وصريح للغاية.
وربما كان مجرد اهتمام وحرص الجانبين على نفي وجود تجاذبات وتقاطعات، أو خلافات يعني ويؤكد وجودها، لأنها لو لم تكن موجودة من الاصل لما خرجت تصريحات وتأكيدات رسمية وعلى لسان شخصيات رفيعة المستوى ومهمة بنفيها.
الى جانب ذلك فإن بعض نقاط الخلاف والاختلاف واضحة بدرجة كافية يسهل رصدها وتشخيصها، في حين ان البعض الاخر منها لم يظهر ويبرز على سطح الاحداث بدرجة كبيرة، وقد تكون قضية قيام القوات الاميركية بتسليح جماعات عشائرية سنية غرب العراق لمواجهة تنظيم القاعدة جزء من الازمة وليس الازمة كلها.
فهناك ملف جهاز المخابرات الوطني الذي يتولى رئاسته اللواء الركن محمد الشهواني، وهذا الملف الشائك والمعقد يعد واحدا من المشكلات والعقد بين الجانبين العراقي والاميركي.
ومعروف ان سلطة الائتلاف الموقتة بزعامة بول بريمر عملت على اعادة تشكيل جهاز المخابرات العراقي، وهي التي تولت وضع هيكليته وتحديد ضوابط الانتساب له، وتمويله، وأكثر من ذلك هي التي اختارت اللواء الشهواني ليكون رئيسا له، وهذا الاخير كان قائدا لاحدى وحدات القوات الخاصة في الجيش العراقي في ثمانينيات القرن الماضي، وهو ينحدر من اصول تركمانية من محافظة كركوك، وقد غادر العراق مطلع عقد التسعينيات، واختار الاقامة في الولايات المتحدة الاميركية، وانضم حسب ما قيل الى صفوف المعارضة العراقية في حينه، وانشأ علاقات وثيقة مع اوساط مخابراتية وسياسية اميركية، وبعد مغادرته العراق اقدم نظام صدام على اعدام اثنين من ابنائه.
ومنذ تشكيل جهاز المخابرات وحتى الان فإن علاقة رئيسه الشهواني بحكومة الجعفري لم تكن على ما يرام، ولم يكن مستعدا للتعامل معها، وهو لم يلتق برئيس الوزراء السابق الا مرة او مرتين فقط، واغلب الظن ان مستوى العلاقة بينه وبينه رئيس الوزراء الحالي لم يتطور وبقي على حاله، وربما اثارت حفيظته التحركات والمفاوضات بين بغداد وواشنطن لربط جهاز المخابرات بالحكومة.
ولعل ما ساهم في عدم حصول تقارب او حسم ملف جهاز المخابرات، هو ان هناك اوساطا عراقية واميركية ترى ان الحكومة شكلت جهاز مخابرات رديفا مدعوما بقوة من قبل ايران، تديره وتشرف عليه وزارة الدولة لشؤون الامن الوطني التي يتولاها الضابط السابق في الجيش العراقي، الذي ينحدر من مدينة الناصرية جنوب العراق شيروان الوائلي.
وقد اشار الوائلي مؤخرا في تصريحات صحفية ادلى بها من العاصمة البريطانية لندن التي زارها لتوقيع عقود شراء اسلحة مع شركات بريطانية انه لدى الحكومة وجهة نظر برئيس جهاز المخابرات الوطني، وان هناك تداخل صلاحيات بين عمل وزارته وعمل الجهاز، وان هذا الاخير يعمل بتخصيصات مالية اميركية، ولا توجد له تخصيصات في الميزانية العراقية"!.
وقد لا يقل الخلاف حول ملف جهاز المخابرات اهمية وحساسية وخطورة من الخلاف حول ملف تسليح العشائر السنية، وهو ما يعزز وجود الهوة بين المالكي وبيترايوس، التي ربما تتسع كلما اقتربنا من شهر ايلول/ سبتمبر المقبل، الموعد المفترض لتقديم الجنرال بيترايوس تقريره الشامل حول الوضع في العراق، والذي على ضوئه ستتقرر الكثير من الامور في واشنطن بشأن العراق، وهو ما يزيد من الضغوطات التي يتعرض لها المالكي من قبل أطراف عديدة، بعضها أميركية من داخل العراق وبعضها من خارجه، والحملات الإعلامية الموجهة ضده وتحميله مسؤولية الكثير من الإخفاقات والفشل.
ولعل الخبر الذي نقله موقع الملف الالكتروني على شبكة الانترنت قبل بضعة ايام، وهذا الموقع تديره شخصيات سياسية وإعلامية محسوبة على حزب الدعوة الإسلامية، ومفاده ان المالكي اتصل بالرئيس الاميركي جورج بوش طالبا منه استبدال الجنرال بيترايوس لانه لم يعد بإمكانه العمل معه، هذا الخبر على الارجح انه صحيح، ولا سيما ان المالكي او أي مصدر مسؤول في مكتبه لم ينف فحوى الخبر.
واكثر من ذلك وصفت صحيفة ديلي تلغراف البريطانية الواسعة الانتشار "العلاقة بين الاثنين بأنها عاصفة، وانهما غالبا ما يتبادلان الحديث بصوت مرتفع، وان المالكي قال لبيترايوس في احد اللقاءات لا استطيع التعامل معك بعد الان، سأطلب ان يحل شخص آخر محلك"!.
بيد انه في واقع الامر قد يكون صعبا جدا ان يجد المالكي آذانا صاغية له في واشنطن، وهو يطلب تخليصه من بيترايوس، لان حسابات واشنطن واجراءاتها لا تخضع كثيرا لمثل هذه الامور، فالشكاوى من بغداد لواشنطن على بول بريمر لم تكن قليلة، وعلى السفير زلماي خليل زاد لم تكن قليلة هي الاخرى، وربما على الجنرال وليم كيسي ايضا، لكن شيئا لم يتغير.
الانتقاد/ العدد 1226 ـ 3 أب/أغسطس 2007
   

2007-08-03