ارشيف من : 2005-2008

ساركوزي يختطف كل شيء!

ساركوزي يختطف كل شيء!

باستياء واضح قال مسؤول كبير في البرلمان الألماني إن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي يريد أن يفعل أشياء كثيرة في الوقت نفسه، مع كل ما يستبطنه هذا الكلام من إيحاءات تاريخية يعرفها الألمان والفرنسيون أكثر من غيرهم.
والكلام جاء في خضم التعليق ـ من قبل كثيرين ـ على العدد الكبير من "الفتوحات" التي باشرها ساركوزي خلال الشهرين الأولين من جلوسه على سدّة الرئاسة في قصر الإليزيه.
في الداخل إقصاء كيدي وملاحقات قضائية لأصحاب الفضل وإخوة السلاح، واستبدال الشخصيات المرموقة في العمل السياسي بوزراء ومساعدين غير معروفين، ما يشي بطموحات امبراطورية واضحة واجتياح للمعارضة الاشتراكية عبر استغواء أركانها بالمناصب، وكلام كثير عن تغيير لم يظهر منه غير إجراءات صارمة بحق المهاجرين. وفي الخارج الأوروبي القريب قفز على الدستور بمعاهدة مخففة واعتراضات على سياسات الاتحاد المالية ومطالب برفع مستوى القدرات العسكرية للاتحاد، ونكايات بحق ألمانيا، الشريك الأول، خلال قمة الاتحاد الأخيرة.

وفي الخارج الأقل بعداً، وثب في جولة أولى على الجزائر وتونس للتبشير باتحاد متوسطي، وفي جولة ثانية على ليبيا، ومنها على السنغال والغابون، إضافة بالطبع إلى ما عادت فرنسا ساركوزي إلى بذله من جهود في سبيل إعادة الحياة إلى الحوار في لبنان.. هي أشياء كثيرة بالفعل وفي الوقت نفسه.
كثرتها مشكلة كبيرة، لكنها ليست المشكلة الكبرى.. فالمشكلة الكبرى هي في ما يعتورها من أخطاء وملابسات وشكوك واستباقات وإثارات تشيع الانطباع بأن ساركوزي يريد التهام كل شيء بالسرعة القصوى، وخصوصاً دون اعتماد الحد الأدنى من مقتضيات الشراكة والدبلوماسية، وحتى اللياقة.
دق إسفيناً بين فرنسا وألمانيا عندما استغل خلافات بينها وبين بولندا ليسرق الأضواء، على ما قاله المراقبون، في القمة الأوروبية الأخيرة، من آنجيلا ميركيل مستشارة ألمانيا التي تترأس الاتحاد الأوروبي للنصف الحالي من هذا العام.
موقفه الصريح من معاداة انضمام تركيا إلى الاتحاد، سمح لدافيد ميليباند وزير خارجية بريطانيا التي بالكاد تضع رجلاً واحدة في اتحاد أوروبي تسعى فرنسا إلى ترميمه من حولها، بأن يبز فرنسا في الأريحية عندما دعا الأوروبيين، وشاركه في دعوته رئيس المفوضية الأوروبية خوسيه مانويل بارزو، إلى أن يمدوا يدهم لتركيا التي وصفها بأنها بلد مهم جداً جداً.
زيارته إلى الجزائر خلقت مشكلة بين المغرب وفرنسا.. وزيارته للسنغال والغابون ـ آخر ما سجله من نشاطات ـ خلقت مشكلة لشخصه بالدرجة الأولى، ولفرنسا من وراءه، فقد ذهب إلى هذين البلدين وهما من جملة المستعمرات الفرنسية السابقة، وتقوم فوق أراضيهما قواعد من جملة القواعد العسكرية الفرنسية في أفريقيا، تحت شعارات تجديد الشراكة، بعد كل ما أصاب العلاقات مع أفريقيا من وهن وتراجعات وفضائح في عهد سلفيه جاك شيراك وفرنسوا ميتران.
لقد ذهب الى هناك لتجديد الشراكة ولتناسي الماضي ـ أي الحقبة الاستعمارية والتعامل الفوقي معها بعد الاستقلال ـ ولافتتاح حقبة من المساواة في أجواء المساعدة الفرنسية على قهر الفقر والخراب المستشريين في القارة السوداء، وأيضاً لحل مشكلة الهجرة الأفريقية نحو فرنسا في كنف المساواة تلك.
وبرغم الكلام الجميل كرّت سبحة الشوائب.. اعترف ساركوزي بأن الاستعمار كان خطأً جسيماً، لكنه لم يقدم اعتذاراً ولم يبدِ أي أسف.. ولو أنه اكتفى بتحميل الشطر الأكبر من المسؤولية عن تدهور الأوضاع في القارة لحكامها الدكتاتوريين لهان الأمر، لأن ذلك عملة رائجة.. معلقون كثيرون توقفوا مشدوهين أمام غرابة الأفكار التي وردت في الخطاب الذي ألقاه ساركوزي في إحدى جامعات دكار، وملخص الخطاب إهانات وإعطاء دروس، تمثلت على حد قول أحد المعلقين، بتوجه ساركوزي إلى الأفارقة كأنهم "أولاد" لكثرة ما قال لهم "يجب عليكم" و"لا يجب عليكم".. كما تمثلت بتشخيصه مشكلة أفريقيا و"مأساة أفريقيا" بأن هذه القارّة تعيش الحاضر من خلال الحنين إلى الماضي المفقود، وبأنها لم تدخل التاريخ لأن الفلاح الأفريقي يعيش منذ آلاف السنين وفق مشيئة الفصول والطبيعة، ويعيد الأقوال نفسها والحركات نفسها، من دون أن يتجه فكره نحو المغامرة والتقدم لبناء المصير والمستقبل. كلام لم يرد عليه المستمعون إلى الخطاب بالتصفيق البروتوكولي المتعارف، ولم يعترضوا عليه لأن أكثريتهم كانوا من الوجهاء الحكوميين والسلك الدبلوماسي، وأقليتهم من الطلبة المنتقين بعناية على أساس معيار الخضوع والطاعة.
أما بالنسبة الى مسألة الهجرة فلم يزد ساركوزي شيئاً على نظريته حول ما بات يُعرف بالهجرة المنتقاة، لأن فرنسا لا تستطيع استقبال أفريقيا بأكملها على حد قوله. البديل هو أن تأتي النخب الأفريقية إلى فرنسا لكي تتعلم ثم تعود إلى البلاد للعمل على تنميتها، الأمر الذي فسره الاشتراكيون الفرنسيون بأنه محاولة غير نزيهة من قبل ساركوزي، برغم ادعاءات الصداقة والمساعدة والمساواة، لـ"سرقة" الأدمغة والثروة البشرية الأفريقية.
آخرة الأثافي هي "القنبلة" الليبية، لا بالمعنى العسكري بالطبع.. فمن غير المعلوم متى بدأت الاتصالات بين فرنسا المعروفة بصفاتها الحميدة وليبيا التي كانت تُنعت عادة في الغرب بشتى النعوت القبيحة. غير أن سيسيليا زوجة ساركوزي ذهبت ـ من دون أن يعلم الفرنسيون بأي صفة على وجه التحديد ـ إلى ليبيا في 12 تموز/ يوليو الماضي لأمر على صلة بالطبيب الفلسطيني والممرضات البلغاريات وحقن مئات الأطفال الليبيين بفايروس الإيدز، ثم عادت وذهبت إليها مرة أخرى وسط السخط العام في فرنسا وأوروبا، لتخطف جميع أضواء الإفراج الليبي عن الطبيب والممرضات. أحد أسباب الاستياء هو هذا الدور الخطير الذي تضطلع به زوجة الرئيس التي ردت بأنها لم تفاوض بشأن الدرع الصاروخية الأميركية أو الصواريخ الروسية! سبب آخر هو أن ساركوزي لم يعلم أحداً من شركائه الأوروبيين باهتمامه بهذا الملف الذي تعمل عليه منذ سنوات كل من ألمانيا وبريطانيا والمفوضية الأوروبية.
عملية اختطاف من جملة العمليات التي يبدو أن ساركوزي شغوف بها.. سيسيليا مهدت في الوقت نفسه لزيارة زوجها نيكولا إلى ليبيا الأربعاء ما قبل الماضي.. نفط ويورانيوم وعقود تجارية لا تصمد في وجهها مبادئ الديمقراطية، والأهم هو الاتفاق على التعاون النووي، أي على قيام فرنسا بمساعدة ليبيا لبناء مفاعل نووي لأغراض سلمية تقتصر على تحلية مياه البحر.
الاتفاق أحدث سخطاً عارماً ومعمماً في فرنسا وسائر أوروبا، حيث ركز الساخطون على طبيعة النظام الليبي والخوف من عودة ليبيا إلى طموحها النووي العسكري الذي تخلت عنه طوعاً قبل سنوات. ثم إن ليبيا لا تحتاج إلى مفاعل نووي على ما يقوله الساخطون، نظرا إلى ثروتها النفطية.
لكن ساركوزي لم يعدم الوسائل للدفاع عن خطوته التي لم يستشر فيها أحداً بحسب ما هو معلن، فقد شدد على أن المساعدة النووية الفرنسية للآخرين تقليد قديم! لم يذكر دور فرنسا في صنع القنبلة النووية الإسرائيلية، ولكنه تذكر مفاعل تموز العراقي الذي بنته فرنسا ودمره الإسرائيليون. وشدد أيضاً على أن هذه البادرة تسهم في إعادة جسور الثقة بين العرب والغرب، وبالتالي في التخفيف من حدة صدام الحضارات.
أشياء كثيرة يتأبطها ساركوزي بالفعل، فهل تتسع ذراعاه لكل ذلك؟           
عقيل الشيخ حسين
الانتقاد/ العدد 1226 ـ 3 أب/أغسطس 2007
   

2007-08-03