ارشيف من : 2005-2008

التعطيل الأميركي يضم المبادرة الفرنسية إلى سابقاتها

التعطيل الأميركي يضم المبادرة الفرنسية إلى سابقاتها

انضمت المبادرة الفرنسية التي قادها "باندفاع" وزير الخارجية برنار كوشنير مستنداً إلى محصلة الجولات التي قام بها الخبير في شؤون المنطقة جان كلود كوسران إلى سابقاتها من المبادرات التي اصطدمت بجدار التعطيل الأميركي، ومنها مبادرة الجامعة العربية وقبلها الجهود الإيرانية ـ السعودية، والتي سبقتها جولات الحوار والتشاور الداخلي.
وبرغم الفشل الفرنسي في تحقيق اختراق في جدار الأزمة اللبنانية المستعصية، فإنه يسجل لكوشنير تحقيقه نجاحاً نسبياً في الشكل عندما استطاع جمع معظم قيادات الصف الأول من فريقي السلطة والمعارضة على مأدبة غداء في مقر السفارة الفرنسية في قصر الصنوبر يوم الأحد الماضي، حيث حضرتها قيادات الصف الأول من الجانبين باستثناء الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة اللاشرعية فؤاد السنيورة.
مصادر نيابية معنية محسوبة على المعارضة تلفت إلى أن الجهد الفرنسي لم يبلغ حد المبادرة ومناقشة تفاصيل الأزمة ووضع خارطة طريق للحلول المطلوبة، وهي بذلك بقيت دون مبادرة الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى التي كانت قاربت العناوين والتفصيلات وسبل الحل.
لكن هل انتهت المبادرة الفرنسية عند هذا الحد؟ تستبعد المصادر ذلك، حيث ستواصل الدبلوماسية الفرنسية اتصالاتها، وخصوصاً أن كوشنير أعلن خلال مؤتمره الصحافي في ختام زيارته لبيروت أنه عائد إلى لبنان في النصف الثاني من شهر آب الحالي لمتابعة جهود الوساطة، لأن فرنسا تستشعر الخطر وهي تحرص على الاستقرار وعدم ذهاب البلاد إلى الانهيار في حال الفشل بتشكيل حكومة وحدة وطنية وعدم التوافق على الاستحقاق الرئاسي. أحد أركان المعارضة الذي شارك في غداء قصر الصنوبر لخص نتيجة الغداء في معرض رده على سؤال لـ"الانتقاد"، بأن "فريق الرابع عشر من شباط لا يريد حلاً ومصرّ على الاستئثار بالسلطة". وظهر ذلك من خلال إصرار هذا الفريق على ربط تشكيل حكومة وحدة وطنية بالاستحقاق الرئاسي، كما كان ربط هذا الأمر سابقاً بتشكيل المحكمة الدولية. فيما تؤكد المعارضة ضرورة تشكيل حكومة وحدة وطنية تمهد للتوافق على الاستحقاق الرئاسي، فإذا حصل هذا التوافق ينتخب الرئيس وتشكل حكومة بعد ذلك بشكل طبيعي، وإذا لم يُتوصل إلى اتفاق على الاستحقاق يجري تفادي الفراغ بحكومة وحدة وطنية، وهو ما يجنب البلاد حكومة ثانية اذا حصل الفراغ، لأنه من غير المقبول استلام الحكومة اللاشرعية صلاحيات رئيس الجمهورية، وهو أمر يقود البلاد إلى المجهول.
ولمست أوساط المعارضة عودة طروحات الموالاة إلى الوراء بشأن تشكيل الحكومة، ومنها طروحات عفى عليها الزمن، مثل طرح (19 + 1 + 10)، وهي ترى في هذا الجو التراجعي ملاقاة للسياسة الأميركية التصعيدية في المنطقة التي تجلت بصفقات الأسلحة مع الكيان الصهيوني والدول الخليجية لمواجهة سوريا وإيران وحزب الله. وقد جرى تظهير هذا التوجه الأميركي محلياً عبر  تصريحات أحد ثنائي التعطيل رئيس الحزب الاشتراكي النائب وليد جنبلاط، الذي قال: لن نعطي الثلث المعطل للمعارضة.
"الإرهاصات الرئاسية"
في هذه الأثناء، وفيما كانت المبادرات الخارجية تركز على كيفية الخروج من الأزمة، ويبرز الى العلن ملف الحكومة، كانت كواليس المبادرات تتجاوز النقاش الحكومي الى معالم الاستحقاق الرئاسي على أكثر من صعيد، ومنها الغوص في مسألة الأسماء والفترة الرئاسية.
وتسجل الأوساط المتابعة عدة مؤشرات على هذا الصعيد، منها اقتراح أميركي لكي تكون الفترة الرئاسية المقبلة انتقالية مدة سنتين، مع الإيحاء باسم مرشح معين دلت عليه عدم ممانعة السفير الأميركي جيفري فيلتمان لتعديل الدستور، لتأمين وصوله الى رئاسة الجمهورية هذه المدة.
هذه الأجواء الأميركية تبنتها أيضاً الدبلوماسية الفرنسية عبر مبادرتها التي حملها وزير الخارجية برنار كوشنير، وكان سوّقها المبعوث جان كلود كوسران خلال جولاته مؤخراً على دول المنطقة ولبنان، حيث اقترح فترة رئاسية انتقالية مدة سنتين، مع طرح اسم مرشح لتولي الرئاسة هذه المدة.
وما لفت الأوساط المتابعة أيضاً أن اقتراح الفترة الرئاسية الانتقالية مدة سنتين والمرشح ذاته لتولي الرئاسة خلال هذه الفترة، حمله الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى للنائب ميشال المر الذي زار القاهرة مؤخراً، وقد حمل المر هذه الأفكار وعرضها على بعض القيادات في سياق التحضيرات لعودة موسى الى بيروت في التوقيت الذي يراه مناسباً.
وتتساءل المصادر عما إذا كان هذا التلاقي "الأميركي ـ الفرنسي ـ العربي" على الفترة الانتقالية الرئاسية والمرشح نفسه من باب المصادفة، أم أنه يأتي وفق تنسيق  مسبق ومناورة تهدف الى نصب فخ للمعارضة لتعكير علاقتها بهذا المرشح والمؤسسة الوطنية الحساسة التي يرأسها حالياً، والتي يعول عليها في الحفاظ على الوحدة الوطنية؟
على أي حال فإن قرابة خمسين يوماً لا تزال تفصل عن موعد بدء المهلة الدستورية للاستحقاق الرئاسي، وهي مدة باتت قصيرة ولا بد من أن تدفع الأطراف الخارجية والداخلية الى تكثيف الاتصالات بهدف الوصول الى توافقات، وإلا فإن ما ينتظر البلاد هو مصير مجهول، وعليه تتوقع الأوساط المتابعة أن يشهد شهر آب ارتفاعاً في مستوى الاتصالات على أكثر من صعيد دولي وإقليمي ومحلي في محاولة لإيجاد مخرج للأزمة.
في هذا السياق يتوقع أن تصدر مبادرات معينة عن رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي كان حدد الخامس والعشرين من أيلول موعداً لجلسة انتخاب الرئيس في مستهل المهلة الدستورية التي تمتد حتى الرابع والعشرين من تشرين الثاني، موعد انتهاء ولاية رئيس الجمهورية العماد إميل لحود.
وبانتظار تسارع الاتصالات، فإن معركة الانتخابات الفرعية في المتن الشمالي بعد غد الأحد التي يتواجه فيها مرشح التيار الوطني الحر كميل خوري والرئيس الأعلى لحزب الكتائب أمين الجميل، ستشكل مؤشراً ومنطلقاً للاستحقاق الرئاسي، وهو ما يفسر هذا التصعيد الكبير في المواقف بين طرفيها، لأنها ستشكل اختباراً شعبياً، وهو ما يعوّل عليه رئيس تكتل التغيير والإصلاح النائب العماد ميشال عون الذي امتلك في انتخابات العام ألفين وخمسة الأكثرية المسيحية وجرى التشكيك في بقائها فيما بعد من قبل فريق الرابع عشر من شباط، خصوصاً من قبل مسيحيي السلطة الذين يراهنون على تراجع شعبية الجنرال حتى لو فاز بأغلبية ضئيلة في هذه الانتخابات.. وهذه المعادلة يرفضها الأخير ويقول في مجالسه الخاصة في معرض الإجابة عن سؤال بهذا الشأن، إن الرئيس الفرنسي نيقولا ساركوزي فاز بأغلبية ضئيلة في الانتخابات، وبات الرئيس الفرنسي ستّ سنوات.
هلال السلمان
الانتقاد/ العدد 1226 ـ 3 أب/أغسطس 2007

2007-08-03