ارشيف من : 2005-2008
ذكرى تموز في ثلاثة معارض : تدوين الانتصار الذي يتسع حجمه كلما ابتعدنا عنه
لا يمكن أن تمرّ ذكرى لحدث مثل حرب تموز 2006 إلا وفي جعبتها سيل من الفعاليات والاصدارات والأناشيد والبرامج والمعارض، فكيف إذا كانت المناسبة ذكرى أولى للحدث؟
المواكبة الصحافية لا تستطيع حصر كل الأنشطة وتقديمها في قالب واحد، لذلك ستكون إطلالتنا هنا على معارض ثلاثة. واحد للصورة الفوتوغرافية بعدسة أسعد أحمد، والثاني للرسم، لجهاد أيوب، أما الثالث فهو لرسومات أطفال مؤسسة الهادي للإعاقة السمعية والبصرية.
"تموز يتذكر"
في قصر الأونيسكو وبدعوة من تيار المجتمع المدني، عرض المصور أسعد أحمد 47 صورة التقط جلها في الضاحية الجنوبية، وبعضها في أماكن أخرى مثل عوكر والأشرفية وحديقة الصنائع ومطار بيروت الدولي.

في هذا المعرض الذي عُنون بـ"تموز يتذكر" نشعر كم أن العالم قصير، والحدث طاغٍ والدم ساخن، والصمود راسخ، والانتصار صارخ. برغم أن الصورة الفوتوغرافية لا تعرف تأريخ سوى اللحظة، شاهدنا في صور أحمد، الكل يتحرك، الناس الجثث، الأشلاء، الأبنية الركام، النار، الدخان، بل على العكس، إنها الساعات والأيام والأسابيع والشهور، مقيدة في إطار الصورة، ليس أمامها خيار سوى الصراخ بوجه "الشرطة الكونية".
عن معرض "تموز يتذكر" يقول الصحافي فريد قمر:
"في لحظة ما، لحظة تحصد الأرواح بالجملة، تنبت الفضيحة على شرفات الموت، تنمو أمام مرأى من العالم الذي لا يرى في فضيحته غير حسابات الخسارة والفوز.
في لحظة ما، تتمرد الصورة على الذاكرة، وتخرج الأجساد من مقبرة الأرقام الجماعية تقول نحن هنا، لنا أسماء لم تمح، لنا منازل صار بعضها تراب، إننا أصوات، ولنا صورة سرقها مصور من حقيبة لحظة يصير كل الزمن فيها لقطة.
في لحظة ما، يعود تموز إلى ذاكرته، فلماذا يستولد ألماً دفناه في عام مضى، وأي لذة يجد في نكء جراح دفناها تحت غبار الركام، وماذا يتذكر تموز، بطولات خلدها المقاومون، أم خسائر هزت اقتصادنا، أيتذكر جسوراً هدمت ومباني سويت بالأرض، أم دبابات أحرقت وجنوداً فرّوا يصرخون".
هي أسئلة تتخطى الملحمة التاريخية، لتوغل في بعض النسيج اللبناني، حيث تحتاج المسلّمات إلى إعادة تأويل، والدماء إلى إعادة تدوير.
المصور أسعد أحمد وغيره من المصورين، دخلوا الحرب كأطراف، حتى لو قهروا أعينهم على "الحياد" كانت عدساتهم تنحاز إلى المشهد الذي يتهم، ويدين، ويدل، ويسمّي، ويفنّد، ويعدّد، ويشرح، ويشرّح.
"تحية إلى "أشرف الناس"
"تحية إلى أشرف الناس" عنوان اللقاء الذي أراد الفنان جهاد أيوب أن يشارك فيه مع أبناء منطقته في استعادة مشاهد النصر الذي تحقق في تموز 2006، فكانت المناسبة مسرحاً لعرض لوحاته في قاعة العالم رمال رمال في بلدة الدوير الجنوبية. لوحة أيوب استعارت من الحدث أدق التفاصيل، وتوغلت في الملامح، حتى التقط الدموع في العيون، كما العزيمة في الحدقات، والشدة في القبضات.
بريشة راعت الدقة في التدوين والصياغة، ومجاملة شروط الظل والنور، والكتلة، والتوازن، والأبعاد، عبر أيوب صوب الحدث بواقعية، ولّدت من رحمها السوريالية، والتكعيبية والتجريدية، ففي حرب تموز 2006 ذابت العناوين وانصهرت، حتى تكونت أبجدية جديدة، ترفع النصر الى أرقى مراتبه وأنبل غاياته.
"حرب تموز بألوان الأطفال"
في المستشارية الثقافية لسفارة الجمهورية الاسلامية الإيرانية في بيروت، وبرعاية السفير الإيراني في لبنان الاستاذ احمد شيباني، نظم معرض "حرب تموز" بألوان الأطفال، الأطفال الصمّ من مؤسسة الهادي للاعاقة السمعية والبصرية واضطرابات اللغة والتواصل.
المعرض انقسم الى شقين، الأول يجسد رسومات الأطفال ما قبل حرب تموز 2006، والثاني، الرسومات التي صاغوها بعد الحرب، وهنا نكون قد دخلنا في ميزة ترسم خاصية للمعرض من ناحيتي الشكل والمضمون.
ما أن تقع العين على اللوحات الأولى، حتى يحضر السؤال عن منفذي اللوحات، أهم الأطفال فعلاً؟! الجواب يأتي بالإيجاب، واللوحات تُرسم في قاعات الدرس، إذاً الاستنتاج يشي بمواهب متقدمة تعرف أصول الفن، ومدارسه، ومواده.
مع الرسوم المنفّذة قبل حرب تموز 2006 يبدأ المعرض، ومن عملين ليوسف بدران وعلي دولاني ننطلق لنشاهد الأقنعة الافريقية، المنفذة ضمن المدرسة التكعيبية وتحديداً مع بصمة الفنان بيكاسو، أما مناخات فان غوخ، فقد حضرت في لوحة زين طليس، فنلاحظ النضج في التنفيذ وحُسن اللعب على الايقاعات اللونية، في قالب يطغى عليه السكون.
مع سهى بدران وسحر عبد الخالق نجد فن الكولاج الإلصاق، منفذاً بحرفية عالية، أما فاطمة قانصو فقد تعمدت تقديم العديد من المشاهد ضمن لوحتها، فظهرت على شكل مربعات، لكل منها خصوصيته.
أثناء تجوالنا على اللوحات، رافقتنا مدرّسة الرسم، الفنانة منى عز الدين، التي كانت تتوسع في توصيف الطفل الذي نفذ العمل، وطباعه وتجاوبه وموهبته، ما كان يضيء على العمل الذي نراه، بل نعيد قراءته من جديد.
رسوم ما بعد الحرب
أما الرسوم التي صاغتها أنامل الطفولة بعد حرب تموز 2006، فكانت، أكثر حدّة، الفكرة أكثر مباشرة، اللون أكثر كثافة.
فالأطفال الصم كغيرهم من الأطفال، عاشوا الحرب بكل أوجهها، فكانت الترجمة على المساحات البيضاء، من الصواريخ الحاقدة، الى عزّة النصر.
فها هو أيمن أحمد يرسم طائرة باللون البني في سماء صفراء، أما يوسف علوية فقد جسّد القصف الصهيوني على مرفأ الأوزاعي وتحطم مراكب الصيادين، في حين رسم سفيان خباز غرفة نومه وهو على السرير في حالة قلق أثناء الحرب، أما علي زين الدين فقد رسم دبابة "اسرائيلية"، اللافت فيها، زاوية التصوير، حيث رسمها وكأنه يراها من مكان مرتفع، وبالنسبة لطائرات رفيق الأشوح، فقد كانت الى أقصى حدود التجريد فرسمها في خطين متقاطعين فقط، كما حضر التجريد بالحبر الصيني في لوحة عباس أيوب، لكن الدهشة حضرت في رسم مجدي جعفر الذي لجأ الى الرمز فصوّر ذئباً في حالة انقضاض على فريسته المتمثلة بالغزال.
أيضاً حضرت الرمزية في لوحة جيسكا الأعور التي رسمت منزلاً مطلياً باللون الأحمر بنوافذ مغلقة.
في المعرض التقينا بفريال بزي، إحدى القيمات على النشاط، وقد حدثتنا عن الطفل هادي الزيات، الذي استشهد في حرب تموز، وهو من مؤسسة الهادي، وكان مشاركا دائما في كل المعارض، ولوحاته لها طابعها الخاص الى درجة انها كانت تباع فوراً أثناء عرضها، وقد أثّر الحدث على أسلوبهم في صوغ لوحاتهم.
إنه تموز الحدث الذي حفل بالعناوين الساخنة منذ عام، تعود ذكراه اليوم لتفرض شروطها على ميادين شتى، تسجل برغم حجم الموت والدمار، واقعة الانتصار الذي يتسع حجمه كلما ابتعدنا عنه.
عبد الحليم حمود
الانتقاد/ العدد 1226 ـ 3 أب/أغسطس 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018