ارشيف من : 2005-2008

جهاد أمير المؤمنين: فتوحات أعلت صرح الإسلام

جهاد أمير المؤمنين: فتوحات أعلت صرح الإسلام

يقول الله تعالى: "أَجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عندالله والله لا يهدي القوم الظالمين". (التوبة/19)
رفع الله العمل الجهادي فوق كل عمل درجات، حتى وإن كان سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام مع علوِّ قدرهما المستمد من القدر العظيم لفريضة الحج.
وقد نزلت هذه الآية في أمير المؤمنين(ع) وجهاده بين يدي رسول الله(ص) إعلاءً لكلمة الله تعالى.
 روي أن طلحة بن شيبة والعباس بن عبد المطلب تفاخرا فقال طلحة: "أنا أولى الناس بالبيت لأن المفتاح بيدي. فقال العباس: بل أنا أولى به، أنا صاحب السقاية والقائم عليها".
وفيما كانا يتفاخران مر الإمام (ع) فافتخر عليهما بقوله:
«لقد صليت قبل الناس، وأنا صاحب الجهاد»، فنزل قول الله تعالى في ذلك كاشفا عن المستوى العظيم الذي يتبوأه علي بجهاده على سائر الأعمال.
ولو أردنا أن نجمع شتات ومفردات حياة أمير المؤمنين(ع) في كلمة لكانت كلمة "الجهاد". فالجهاد في سبيل الله كان بمثابة القطب الذي تدور عليه رحى حياته(ع).
حياة أمير المؤمنين (ع) كلها جهاد في سبيل الله تعالى. وإذا كان قد وقى الرسول (ص) بنفسه وفداه بوجوده وتعرض لأخطر تآمر جاهلي على حياة رسول الله (ص) عند مبيته على فراشه في ليلة الهجرة المباركة، من أجل أن يصرف عنه شر عتاة الجاهلية، فإن عليا قد تحولت حياته بعد الهجرة إلى المدينة المنورة إلى حلقات متسلسلة من ذلك النوع الجهادي العظيم، فقد كان حامل لواء الزحف الاسلامي في كل غزوات أخيه رسول الله (ص)، وطليعة المجاهدين في ساحات الجهاد، وكلما حزبت الامور وحمي الوطيس انتدبه رسول الله (ص) لكشف زحف العدو عن حياض المسلمين.
فكم كان له (ع) من موقف رهيب تجاه المشركين والمنافقين.
لبس بردى النبي الحضرمي الأخضر وبات على فراشه (ص) ليلة الهجرة, ليلة هرب النبي من المشركين إلى الغار وفداه بنفسه. فأنزل على رسوله(ص) وهو متوجه إلى المدينة، في ذلك: "ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله".
أما بدر، وأحد، الأحزاب، وخيبر وحنين وسواها العديد من الوقائع فمن كان فارسها, ومن كان بطلها؟ من كان فيها غير أبي الحسن(ع) يضرب خراطيم المشركين بين يدي رسول الله(ص) ويخطف أرواحهم. حتى دانت الجزيرة العربية مع أطرافها لرسول الله(ص) ودخل الناس في دين الله أفواجا.
وهذا أسيد بن أبي إياس الكناني، مٌكْبراً لعلي ذلك، يخاطب قريشا محرضا إياهم عليه بقوله:
هذا ابن فاطمة الذي أفناكم***ذبحا ويمشى آمنا لم يجرح
أين الكهول؟ وأين كل دعامة؟***للمعضلات وأين زين الأبطح؟
أفناهم ضربا بكل مهند***صَلْتٍ وحَدِّ غراره لم يصفـح
والجدير ذكره هنا أن كل مواقفه الجهادية كانت من النوع المصيري الذي يحمي الرسالة ويكشف عنها خطر التصفية المحقق والإجهاز الخطير على وجودها.
 تجلى ذلك في بدر الكبرى حين انجلت المعركة عن مقتل سبعين رجلاً من مشركي قريش، كانوا بمعظمهم من سادات قريش وأبطالها، وأُسر منهم سبعون رجلاً. وإلى هذا يشير الإمام(ع) في كلام له لمعاوية: "وعندي السيف الذي أعضضته بجدك وخالك وأخيك في مقام واحد".
وقد أحصت بعض مصادر التاريخ من قتلهم عليٌّ(ع) 35 رجلاً، وذكرتهم بأسمائهم.
وفي "أحد" حين أطبق جيش الضلال على معسكر الإيمان وكان اكثر عدداً وعدّة (ثلاثة آلاف مقابل سبعمئة) كان أمير المؤمنين(ع) حامل لواء رسول الله(ص) وقد بادر إلى تصفية حملة الألوية من بني عبد الدار واحدا تلو الآخر، وفي مقدمهم طلحة بن أبي طلحة ـ وكان يدعى كبش الكتيبة والذي كبّر رسول الله(ص) ابتهاجاً بقتله. وذكر المفيد في إرشاده: أنَّ أصحاب اللواء كانوا تسعة، قتلهم عليُّ بن أبي طالب(ع) عن آخرهم، وانهزم القوم حتى أحاط المسلمون بنسائهم، ودبَّ الرعب في قلوبهم.
وعندما دارت دائرة الحرب على المسلمين للأسباب المعروفة
وفرَّ المسلمون عن نبيِّ الله (ص)، أحاط به علي(ع) هو وجماعة من المسلمين بينهم حمزة عم النبي(ص)، وقد استماتوا في الدفاع عن النبيِّ (ص)، وعليٌّ (ع) يفرِّق جمعهم بسيفه ذي الفقار وهو راجل وهم على متون الخيل. ولمّا يئس المشركون من قتل النبيِّ (ص) برغم جميع المحاولات، فترت همَّتهم وقفلوا راجعين وكفى الله المؤمنين القتال بأمير المؤمنين(ع).
وبعد عودته(ص) وأمير المؤمنين(ع) إلى المدينة تستقبلهم فاطمة(ع) فيقول لها رسول الله (ص): قد أدَّى بعلك ما عليه، وقد قتل الله بسيفه صناديد قريش.  
نقل ابن الأثير: لقد أصابت عليَّاً يوم أحد ست عشرة ضربة، كلُّ ضربةٍ تلزمه الأرض، فما كان يرفعه إلا جبريل(ع).
ويوم بني النضير من اليهود، توجه رسول الله (ص) إليهم. ولما اختلط الظلام فقدوا أمير المؤمنين (ع)، فقال الناس: يا رسول الله ما نرى علياً؟!، فقال (ص): أراه في بعض ما يصلح شأنكم. وبعد قليل جاء عليّ ٌ (ع) برأس «عزوك» أحد أبطال بني النضير، وكان قد خرج في نفر من اليهود يطلبون جماعة من المسلمين. وكان شجاعاً رامياً، فكمن له عليٌّ (ع) فقتله. فقذف الله في قلوب اليهود الرعب وفرَّوا. فسألوا النبيَّ (ص) أن يُجليهم ويكفَّ عن دمائهم فكان ذلك سبب فتح حصونهم.
وعلي (ع) هو الذي اقتحم على اليهود حصونهم في خيبر ودخل عليهم عنوة، ففتح الله على يديه تلك الحصون الرهيبة.
وفي غزوة الأحزاب حين بلغت القلوب الحناجر وبلغ الضيق والهلع بالمسلمين كل مبلغ، كا أنبأ سبحانه: "وزلزلوا زلزالا شديدا* وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا* واذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستئذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فراراً". إذ ذاك نهض الإمام (ع) بالأمر وأرهب العدو فقتل قائدهم الذي كان يعد بألف فارس، عمرو بن عبد ود العامري. فلما قُتل انهزم المشركون وانكسرت شوكتهم، وكفى الله المؤمنين القتال بعلي (ع).
وقال رسول الله (ص) في ذلك: "ضربة علي يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين". وقال(ص): "لمبارزة علي ابن أبي طالب لعمرو بن عبد ود يوم الخندق أفضل من أعمال أمتي إلى يوم القيامة". ذلك أن هذه المبارزة كما وصفها رسول الله نفسه: "كانت بين الإيمان كله في مواجهة الكفر كله".
اسماعيل زلغوط
الانتقاد/ العدد 1226 ـ 3 أب/أغسطس 2007

2007-08-03