طرحت الأحداث الأخيرة في مخيم نهر البارد قضية الفلسطينيين اللاجئين في لبنان والواقع الديموغرافي والاجتماعي والسياسي لهم، وخصوصاً أن هذه القضية تجاوز عمرها خمسين عاماً، وغالباً ما تكون عنواناً لأزمة ما، ابتداءً من الاحتكام الى السياسة في التعامل مع الاحتياجات الاجتماعية ومستلزمات العيش الكريم لهم، فتحجب حقوقهم تحت حجة رفض التوطين، وإذا ما أقدم طرف ما على المساعدة أو طلب مساعدتهم اتهم بالسعي للتوطين.
وإذا كان الفلسطينيون هم من يؤكدون رفض التوطين لأنه يقضي على حلمهم بالعودة ويقدم خدمة للكيان الصهيوني، فإن التعامل الإنساني مع اللاجئين بات ضرورة.
"الانتقاد" تحاول من خلال هذه الدراسة تسليط الضوء على الواقع السياسي والاجتماعي للفلسطينيين في لبنان.
البنى التحتية والسكن
عندما لجأ الفلسطينيون إلى لبنان عام 1948، تولت الحكومة اللبنانية ومنظمات دولية وهيئات روحية عدة مهمة تجميعهم في مناطق بعيدة عن المدن، تسهيلا لتأمين المأوى والمسكن لهم. وتنقل اللاجئون من منطقة إلى أخرى، إلى أن وُزّعوا بشكل متدرج على المخيمات القائمة اليوم. ومع التمدد العمراني شيئا فشيئا أصبحت المخيمات متداخلة مع بعض المدن اللبنانية، واتسمت معيشة اللاجئين في هذه المخيمات بعدم الاستقرار بسبب الوضع القانوني لها، ورفع بعض أصحاب العقارات دعاوى قضائية أمام المحاكم ضد عائلات لاجئة، وهو ما يشير إليه المفوض العام للأونروا في تقريره لعام 1959 بقوله: "... في جميع البلدان المضيفة أنشئت المخيمات على أراضٍ منحتها الحكومة، لكن ترتيبات الدولة (اللبنانية) مع مالكي الأراضي لم يجرِِ تنظيمها".
وفي الوقت الراهن يتوزع فلسطينيو لبنان على المحافظات اللبنانية كافة في مخيمات، وينتشرون على مساحة جغرافية تبلغ حوالى (1510986) مترا، أي ما معدله (7.5) متر مربع للشخص الواحد. وتعتبر الكثافة السكانية إحدى أهم المشكلات الضاغطة، بكل ما يترتب على ذلك من معضلات على كل المستويات. فالرقعة الجغرافية القائمة عليها المخيمات في لبنان ما زالت على حالها منذ خمسين عاما، في الوقت الذي ازداد فيه عدد السكان أكثر من ثلاثة أضعاف. يشير رئيس المكتب المركزي للإحصاء الفلسطيني يوسف الماضي الى أن متوسط عدد الغرف في المسكن الواحد في مخيمات لبنان بلغ 2.2 غرفة، مخصصة لجميع أنواع الاستخدام غير المتجانسة.. ومساكن المخيمات في معظمها بنيت بصورة عشوائية، وهي متداخلة في ما بينها، تفصلها ممرات ضيقة تسمح بدخول الإنسان فقط. وطبقا لقرار إداري صدر عن السلطات اللبنانية وما زال ساري المفعول، يمنع زيادة مساحة المخيمات القائمة، ما يمنع التمدد العمودي (أي أكثر من طبقة واحدة)، ويشترط على سكان المخيمات بناء منازلهم من الحجر وبسقف من الصفيح. وبقي الوضع على هذه الحال حتى العام 1969 ودخول المقاومة الفلسطينية. ونتيجة الحرب الأهلية التي شهدها لبنان في فترات سابقة، وبفعل الاعتداءات الاسرائيلية المتكررة على المخيمات، فقد أُزيلت ثلاثة مخيمات فلسطينية: أحدها في الجنوب (النبطية) واثنان في المنطقة الشرقية من بيروت (جسر الباشا وتل الزعتر)، ما أدى إلى تشريد سكانها وبعثرتهم في كل المناطق اللبنانية. وقد رفضت الدولة اللبنانية إعمار هذه المخيمات أو إيجاد قطعة أرض بديلة.
إن ما يلفت الانتباه هو هذه السياسة المتعمدة من قبل الدولة اللبنانية في تعاطيها مع المخيمات. فالخدمات البلدية لا تطال المخيمات، وشبكات البنى التحتية في بعضها تعاني من مشكلة عدم الصيانة الدورية أو تجديدها، حتى أن بعضها مضى عليه أكثر من نصف قرن، بكل ما لذلك من نتائج سلبية على مستوى تدني مستوى العيش الى الحضيض.
ولا يقتصر الأمر عند هذا الحد، ففي منطقة صور تعاني المخيمات من مشكلة الإغلاق المفروض عليها، بحيث يُمنع على أي فلسطيني إدخال المواد الحياتية من أدوات بناء وكهرباء وأثاث منازل وغير ذلك من القضايا الضرورية اليومية، حتى أن بعض الفلسطينيين صدرت بحقهم مذكرات جلب بتهم إدخال ممنوعات، ليتبين بعد ذلك أن هذه المواد ليست سوى مواد بناء، مثل طلاء المنازل.
تعريف الدولة اللبنانية للاجئ الفلسطيني
لا يوجد نص قانوني خاص يحدد من هو اللاجئ الفلسطيني.. فقد اعتمدت مديرية شؤون اللاجئين الفلسطينيين في وزارة الداخلية اللبنانية (أصبحت اليوم دائرة الشؤون السياسية)، إحصاء الأونروا لعام 1951 نقطة انطلاق لتحديد عدد اللاجئين لديها، ثم أدخلت تعديلات عدة وفقا لمراسيم وزارية، كما حصل مع اللاجئين الواردين عام 1956، بقيده في سجلات مديرية شؤون اللاجئين بموجب قرار وزير الداخلية رشيد الصلح عام 1975، وتاليا شمل التسجيل الرسمي اللبناني جميع الفلسطينيين الموجودين على الأرض اللبنانية حتى عام 1969 من دون مشكلات. أما بعد عام 1970 وبدء وصول عدد من الفلسطينيين من الأردن، فهؤلاء لم يسجلوا على الإطلاق في لبنان حتى مغادرتهم في العام 1982 وبعده.
وعليه اعتُبر الفلسطينيون اللاجئون أجانب من فئة خاصة، ومُنحوا "بطاقة خاصة باللاجئين الفلسطينيين"، تثبت إقامة الفلسطيني في لبنان. ولذلك فإن اكتساب وضع اللاجئ الفلسطيني منحصر بمن وُلد من أب لاجئ مسجل، وهذا المعهود، أو بمن يصدر قرار من وزير الداخلية خاص به، ما ينقص عددهم.
تعتبر قضية اللاجئين الفلسطينيين من أولى نتائج إنشاء الدولة العبرية قبل 52 عاما. وفي الوقت الذي تنفي "اسرائيل" مسؤوليتها عن معاناتهم، تسعى جاهدة للخلاص من مشكلتهم باعتبارها عنصر استمرار رئيسيا للصراع العربي ـ الإسرائيلي، وخصوصا أن قرارات الأمم المتحدة نصت على عودة هؤلاء اللاجئين إلى وطنهم، وتعويضهم الأضرار التي لحقت بهم في الوقت ذاته. وتبعا لبروز قضية اللاجئين، فإن أهمية إجراء تقدير مجموع الفلسطينيين عشية إقامة الدولة العبرية يُعتبر مرتكزا لتقدير عدد اللاجئين الفلسطينيين وتوزعم لاحقا، ما يكشف حجم الكارثة الناشئة نتيجة الطرد القسري الصهيوني الذي لحق بنحو نصف الفلسطينيين في العام 1948. وفي هذا الإطار تشير المعطيات الإحصائية إلى أن عدد سكان فلسطين بلغ في نهاية الانتداب البريطاني (2.1) مليون نسمة، بينهم (30.9%) من اليهود، و(69.1%) أصحاب الأرض الأصليين من العرب الفلسطينيين.. أي كان هناك 1.444.000 ألف عربي في مقابل 604 آلاف يهودي عشية بروز النكبة، وطرد نحو نصف السكان الفلسطينيين في العام 1948.. وقد لوحظ وجود ميل سياسي في أثناء تقدير اللاجئين تبعا لخلفية الباحث أو الجهة التي أعدت تقريرا حول اللاجئين آنذاك، وقد راوح التقدير بين 960 ألف لاجئ فلسطيني بحسب وكالة الأمم المتحدة لإغاثة اللاجئين وتشغليهم العام 1949، و940 ألفا بحسب معطيات الجامعة العربية، و726 ألفا بحسب معطيات الأمم المتحدة ووكالاتها المختلفة.
وإذا أخذنا أقل التقديرات للاجئي العام 1948، فإنه من بين مجموع الشعب الفلسطيني في العام 1949 والبالغ 1.466.000 ألف فلسطيني، بات نحو 736 ألفا لاجئين و730 ألفا مواطنين أصليين في ديارهم، أي أصبح أكثر من 50% من سكان فلسطين العرب لاجئين، استأثرت الضفة الغربية بـ38% من اللاجئين في العام 1949، في حين تركز 25.1% في قطاع غزة الذي لا تتعدى مساحته 364 كيلومترا مربعا. وفي لبنان 13.6% وسوريا 11.5% والأردن 9.5% ومصر 1%.. أما العراق فاستحوذ على نحو 0.5% من اجمالي مجموع اللاجئين في العام 1948، وغالبية الذين تركزوا في العراق من قرى قضاء حيفا الساحلية في فلسطين: أجزم، جيع، عين غزال، عين حوض، وكفر لام، وغيرها من قرى القضاء.
قرارات الأمم المتحدة
ومنذ بروز قضية اللاجئين أصدرت هيئة الأمم المتحدة قرارات عدة تقضي بوجوب عودتهم إلى ديارهم، وتعويضهم الأضرار التي لحقت بهم من جراء الطرد القسري وتدمير قراهم. وقد رفض الكيان الصهيوني على الدوام تنفيذ القرارات الصادرة عن الشرعية الدولية، ومن أهم هذه القرارات القرار (194) الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في كانون الأول (ديسمبر) 1948، والقرار (302) الصادر في 28 كانون الأول (ديسمبر) 1949، والقرار (394) الصادر في 14 كانون الأول (ديسمبر) 1950، والقرار (512) الصادر في 26 كانون الثاني (يناير) 1952، إضافة إلى قرارات أخرى قريبة في بنودها لجهة تحقيق فرصة لعودة اللاجئين إلى ديارهم وتعويضهم في أقرب فرصة ممكنة.
وقد دخلت قضية اللاجئين الفلسطينيين مرحلة جديدة بعد دخول منظمة التحرير الفلسطينية في المفاوضات مع "اسرائيل"، وتوقيع اتفاقية أوسلو في أيلول (سبتمبر) 1993، إذ أجل المفاوضون من الطرفين قضية اللاجئين وغيرها من القضايا الجوهرية إلى مفاوضات الوضع الدائم.
وهكذا تدخل قضية اللاجئين في إطار عملية تسوية رسمتها الولايات المتحدة وبدأت أولى خطواتها في العاصمة الإسبانية مدريد في نهاية العام 1991، ومنذ ذلك العام بدأت التصورات الإسرائيلية إزاء قضية اللاجئين تظهر إلى العلن، سواء تلك الصادرة عن مراكز الابحاث الاسرائيلية أو أصحاب القرار في الدولة العبرية، وجميع تلك التصورات تركز على عملية إعادة تأهيل اللاجئين وتوطينهم في الدول المضيفة، وترفض تلك التصورات مبدأ مسؤولية "اسرائيل" عن قضية اللاجئين وتبعاتها، ولكنها في الوقت ذاته تعتبر أن حل هذه القضية يعتبر مدخلاً لحل مجمل قضايا الصراع العربي ـ الإسرائيلي. هذا في وقت أكد فيه اللاجئون الفلسطينيون في أماكن وجودهم المختلفة، وخصوصا خلال الذكرى الخمسين للنكبة في أيار (مايو) 1948، أن حق العودة هو حق مقدس وقانوني، وممكن في الوقت ذاته.
التوزع الجغرافي للاجئين الفلسطينيين
وفد بعض اللاجئين الفلسطينيين في لبنان من لواءي حيفا والجليل، وقد لجأوا إليه بسبب قربه الجغرافي وصلات والعلاقات الاقتصادية، وقد استقرت أعداد كبيرة في البداية في الجنوب، وعلى وجه الخصوص في البرج الشمالي ومخيمي البص والرشيدية.. واستمرت حركة الفلسطينيين من دون شروط عن طريق حمص حتى صدرت أوامر بإقفال الحدود السورية.
أقام اللاجئون في المراحل الأولى من النزوح في خيام الأونروا، ثم استبدلت بها أكواخ بعضها مبني من الطوب التقليدي وبعضها من الاسمنت المسلح. والكوخ العادي عبارة عن غرفة واحدة لا تتجاوز مساحتها عشر أقدام مربعة تقطنها عائلة مؤلفة من خمسة أشخاص يأكلون وينامون فيها. في عام 1951 كانت المخيمات الخمسة عشر التي أنشأتها الأونروا في لبنان تضم نحو 34303 فلسطينيين. كان لبنان يحتل المرتبة الثالثة من حيث عدد اللاجئين الى المخيمات بعد الضفة الغربية وغزة.
المخيمات
ضمت المخيمات أساسا أبناء الريف المعدمين الذين تلاشت مدخرات بعضهم مع طول الإقامة، ولم يستطيعوا إيجاد عمل بسبب البطالة العالية وانخفاض أجور العمال غير الفنيين. وفي السنين اللاحقة ازداد عدد طلب اللاجئين الريفيين للمأوى في المخيمات والحصول على جميع خدمات الوكالة.
في الخمسينيات وأوائل الستينيات جرت عمليات نقل وتجميع للفلسطينيين الذين كانوا موجودين في مخيمات وتجمعات صغيرة ومبعثرة، ضمن مخيمات رئيسية محددة يقع معظمها في ضواحي المدن، بناءً على طلب السلطات اللبنانية.
يبلغ عدد المخيمات الفلسطينية في لبنان 12 مخيما تتوزع على الشكل التالي:
1 ـ الشمال:
أ ـ مخيم نهر البارد.
ب ـ مخيم البداوي.
2 ـ جبل لبنان:
أ ـ برج البراجنة.
ب ـ شاتيلا.
ت ـ ضبية.
بيروت
أ ـ مار الياس.
3 ـ صيدا:
أ ـ عين الحلوة.
ب ـ المية ومية.
4 ـ صور:
أ ـ الرشيدية.
ب ـ البص.
ج ـ البرج الشمالي.
5 ـ البقاع:
أ ـ الجليل.
ولا بد من ذكر أن هناك مخيمات أخرى دُمرت نهائيا ولم يُسمح بإعادة البناء فيها، وهي:
1 ـ مخيم النبطية (الذي دُمر عام 1974 بسبب القصف الصهيوني).
2 ـ تل الزعتر وجسر الباشا (اللذان دُمرا أثناء الحرب الأهلية 1976، يضاف إليها عدة تجمعات بشرية خارج المخيمات خاصة في المناطق الزراعية، حيث فرص العمل وبساطة العيش في مختلف المحافظات اللبنانية، مثال (القاسمية ـ أبو الاسود).
الظروف الاجتماعية
يعيش اللاجئون الفلسطينيون في لبنان تحت وطأة ظروف اجتماعية وصحية صعبة، مقارنة بأوضاع اللاجئين في الدول العربية المضيفة الأخرى. لا بل إنهم الأكثر معاناة والأوضح هامشية والأقل اندماجا، وليس ذوبانا، في المجتمع المضيف. ويُحرمون من الحقوق المدنية الأساسية، ويُحظر عليهم العمل في المؤسسات الرسمية والخاصة، وفي قائمة طويلة وصلت الى حوالى 72 مهنة من المهن، ما يؤثر بشكل سلبي في أوضاعهم الصحية والاجتماعية معا، وقد أُلغي العديد من المراسيم الوزارية في الحكومات السابقة من قبل الوزير طراد حمادة، كانت تمنع العمل في حوالى 25 مهنة.
وفي مجال الرعاية الصحية يعتمد اللاجئون الفلسطينيون على "الأونروا" في ما تبقى من الخدمات الصحية، إضافة لما تقدمه جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني من خدمات متواضعة. يضاف إلى ذلك الدعم المتواضع لبعض المؤسسات. كما أن المخيمات في لبنان تعاني من تلوث بيئي خطير بسبب قنوات الصرف الصحي المكشوفة بين البيوت.
جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني
وصلت الخدمات الصحية المقدمة من الهلال الأحمر إلى درجة توفير الضمان الصحي الشامل في فترة السبعينيات، ثم تدهورت هذه التقديمات الصحية بشكل سريع ولافت بعد عام 1982.. وتتوجه اليوم إلى التركيز على ثلاثة مستشفيات: (حيفا في مخيم برج البراجنة، الهمشري في صيدا، بلسم في صور)، وبعض العيادات في المخيمات الأخرى تقدم خدمات شحيحة للغاية. ونظرا لعدم توافر الموازنات الكافية بدأت هذه المؤسسات بتقاضي بدل المعاينات والعمليات الجراحية في ظل غياب الأدوية اللازمة التي باتت على نفقة المريض، فضلا عن انخفاض عدد العاملين الذين يتقاضون رواتب متدنية، بحيث لا يتعدى راتب طبيب الصحة العامة 250 دولارا أميركيا.
الرعاية الاجتماعية
منذ نهاية الثمانينيات لجأت الأونروا إلى تخفيض تدريجي لهذا البرنامج ثم إلغائه بشكل كامل وحصره بحالات أطلق عليها "حالات العسر الشديد"، حيث بلغ عددها ما يقارب 36 ألف نسمة، أي ما نسبته 10.5%، وهي النسبة الأعلى في كل مناطق عمليات الأونروا في البلاد المضيفة.
التعليم
هناك نقص حاد في عدد المدارس والمعلمين، وبرغم ذلك فإن الأونروا تقلص حصة التعليم من إجمالي الموازنة العامة لمصلحة نشاطات أخرى ليس لها علاقة مباشرة بالخدمات المقدمة للاجئين. وعلى سبيل المثال تراجعت حصة التعليم من 55.6% إلى 47.2 في العام 1999، علما بأنها كانت 58% عام 1992. وهذا أرخى بتأثيره على نوعية التعليم ونتائجه، وقد مسّ التراجع مستلزمات التعليم والطلاب، حيث كان الطالب يحصل على الكتب والدفاتر والمستلزمات الأخرى الكاملة، إضافة إلى وجبة حليب يومية.
أما الآن فإن الطالب لا يحصل إلا على مجموعة قليلة من الكتب المتواضعة، فيضطر ذووه إلى شراء الاحتياجات الأخرى. كما أُلغيت مادة التاريخ من المقرر.
أرقام متباينة للاجئين
في كتابه "أوضاع الشعب الفلسطيني في لبنان" يوضح الباحث الفلسطيني سهيل الناطور وغيره من الباحثين، أرقاما أقرب إلى المنطق، وذلك بالاعتماد على المعدل الوسطي للنمو السكاني للفلسطينيين. فمعظم المصادر تتقارب في تقدير عدد اللاجئين الفلسطينيين الذين هاجروا من فلسطين عام 1948 إلى لبنان، بما لا يقل عن مئة ألف لاجئ، وهذا الرقم ذُكر في تقرير لجنة المسح الاقتصادي للشرق الأوسط. وفي حين أن بعض المصادر اختلفت أرقامها بنسبة كبيرة في عدد السنوات، وفي وقت قدرت "الأونروا" عدد فلسطينيي لبنان عام 1980 بـ226554 نسمة في تقرير مفوضها العام، نجد أن مكتب الإحصاء المركزي الفلسطيني يذكر أن العدد في 1997 بلغ 336288 نسمة، وبهذا يتوضح أن لا أرقام نهائية دقيقة عن عدد الفلسطينيين في لبنان، وأن كل ما يرد هو تقديرات.
الفلسطينيون في لبنان ثلاث فئات
معلوم أن تنظيم الأحوال الشخصية للفلسطيني في لبنان تتولاه دائرة الشؤون السياسية التابعة لوزارة الداخلية اللبنانية، بالتعاون مع وكالة غوث اللاجئين "الأونروا" التي قامت بإحصاء عدد اللاجئين في مطلع الخمسينيات وأعطتهم بطاقات شخصية تعرف باسم (بطاقة خاصة)، وهي معتمدة لدى الدوائر الرسمية والأمن العام اللبناني، وتخولهم الحصول على وثائق سفر لبنانية قابلة للتجديد من قبل السفارات اللبنانية في الخارج مرفقة ببطاقة الأونروا (الإعاشة) الصادرة عن الأونروا. والفلسطينيون في لبنان ينقسمون إلى ثلاث فئات هي:
1 ـ الفئة الأولى: وتشمل الفلسطينيين المقيمين فوق الأراضي اللبنانية منذ النكبة عام 1948، وهم مسجلون لدى الأونروا وفي شؤون اللاجئين والأمن العام اللبناني، ويحصل هؤلاء على وثيقة سفر بحقوق كاملة كاللبناني تماما صالحة لغاية خمس سنوات.
2 ـ الفئة الثانية: وتشمل الفلسطينيين الموجودين على الأراضي اللبنانية منذ النكبة، ولكنهم لا يحملون بطاقة إعاشة، ولهم قيود في شؤون اللاجئين والأمن العام اللبناني، ويحصلون على وثيقة مرور مدتها سنة صالحة للعودة والتجديد.
3 ـ الفئة الثالثة: وتشمل الفلسطينيين القادمين إلى لبنان بعد هزيمة حزيران 1967، أو بعد مجازر أيلول في الأردن عام 1970، وأصحابها غير مسجلين رسميا في لبنان، وعددهم محدود لا يتجاوز 25.000 نسمة، وكانوا يحصلون على وثائق مرور غير صالحة للعودة.
الرقم التقديري للفلسطينيين في لبنان
حتى الآن لم تتوافر دراسة خاصة أو رسمية تحدد الرقم الدقيق لعدد الفلسطينيين الموجودين في لبنان. ومرد ذلك عدة أسباب رئيسية هي:
1 ـ عدم إجراء أي مسح شامل للسكان والمقيمين في لبنان منذ العام 1932 لأسباب سياسية.
2 ـ وجود أكثر من جهة تهتم بتسجيل قيود الفلسطينيين في لبنان، وغياب التنسيق بين هذه الجهات التي يبلغ عددها خمسا: الأونروا، دائرة الشؤون السياسية التابعة لوزارة الداخلية اللبنانية، الأمن العام اللبناني، المكتب المركزي للإحصاء التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية، اللجان الشعبية في المخيمات، ولكل واحدة من هذه الجهات الخمس حساباتها الخاصة السياسية وربما المالية أيضاً.
3 ـ التغيير المستمر على الواقع الديموغرافي للفلسطينيين في لبنان، سواء على مستوى الهجرات الداخلية من مخيم إلى آخر او خارج لبنان.
آخر إحصاء للأونروا الذي في حزيران 1992 حدد عدد الفلسطينيين في لبنان داخل الخيمات وخارجها بـ319427، بينهم 160883 داخل الخيمات و158544 خارجها.
تقديرات مديرية شؤون اللاجئين الفلسطينيين لا تعتمد على إحصاء دقيق، ولكن من خلال إطلاعها على مجموعة أرقام خاصة بهذا الموضوع تقول إن عدد الفلسطينيين في لبنان 350 ألفا، وأحيانا 500 ألف.
تقول سجلات الأمن العام اللبناني إن عدد الفلسطينيين المسجلين لديها هو 343150 ألفا، وأنه بعد شطب 7925 اسما منهم لحصولهم على جنسيات مختلفة صار الرقم النهائي 335225 نسمة (أعيد العمل حاليا لإعادة تسجيلهم).
أما سجلات مكتب الإحصاء المركزي التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية فقد أحصى حسب آخر إحصاء له أن عدد الفلسطينيين في لبنان 225000 نسمة. وهنا لا بد من الإشارة الى أعداد الذين استعادوا الجنسية اللبنانية في مرسوم العام 1994 من اهالي القرى السبع، والذي بلغ حوالى 40.000 نسمه.
جعفر سليم
الانتقاد/العدد 1220 ـ 22 حزيران/يونيو2007