ارشيف من : 2005-2008
هل بات لبنان على عتبة "توطين" اللاجئين الفلسطينيين؟
منذ النكبة عام 48 والفلسطينيون في الشتات يحلمون بالعودة إلى ديارهم، عودة تسبقها الكثير من الأحلام التي ما برحت تراود الشعب الفلسطيني مع كل اشراقة شمس تطل عليه في بلاد الشتات.
غير أن هذا الحق الذي كفله القرار الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة تحت رقم 194 بتاريخ 11 كانون الأول 1948 لم يتوقف العمل لنسفه والإطاحة بحق العودة، واستبداله بالتوطين الذي يعني ابقاء الفلسطينيين في الدولة المضيفة، ولبنان من هذه الدول، حيث تتضارب الارقام حول عدد اللاجئين الفلسطينيين فيه، وتصل الارقام الى حدود 400 الف لاجئ.
واذا كان اللبنانيون باختلاف توجهاتهم يرفضون التوطين، ويصلون الى حد تحريمه بالاستناد الى سببين: احتضانهم للقضية الفلسطينية، أو لتأثيراته الديموغرافية على الواقع اللبناني.. إلا أنه لم يعد خافياً على أحد ما تعمل عليه بعض الجهات اللبنانية لمقايضة تسهيلها التوطين لقاء ملفات سياسية ومالية يقدمها لها الغرب التواق الى انهاء هذا الملف خدمة للمشروع الصهيوني في المنطقة.
في القراءة التاريخية لهذا الملف يتبين إن إجهاض فكرة "حق العودة" بدأ منذ العام 1969 عندما تحولت منظمة التحرير الفلسطينية الى ما يشبه الدولة المضيفة في المنفى، فضلاً عن تغييبها البعد الاجتماعي لـ"حق العودة"، الأمر الذي أدى إلى فقدان "المنظمة" الالتفاف الجماهيري حولها، ما دفعها إلى الذهاب منفردة إلى اوسلو بحيث خرجت عن الإرادة العربية والطريقة التي اتبعتها في "مدريد"، واعتبرت المنظمة نفسها الممثل الشرعي الوحيد للفلسطينيين، وبالتالي انفردت بالحل عل حساب القضية الفلسطينية فاختزلتها من كونها حقا عربيا شاملا، إلى حق فلسطيني حصري، وراحت باتجاه التفاوض حولها بشكل منفرد، وبهذا تكون السلطة الفلسطينية أسقطت من أدبياتها عبارة "حق العودة" واختزلتها بعبارة حل يتفق عليه مع الإسرائيلي.
وبرغم ذلك فإن الاجماع الفلسطيني من مختلف الفصائل والتيارات لم يذهب بالاتجاه الذي انجرفت اليه المنظمة، فبقي على موقفه الرافض للتوطين.. والتأكيد على حق العودة والنضال من أجله.. الموقف الوطني المحق رتب على اللاجئين الفلسطينيين في لبنان معاناة كبيرة لها طابع إنساني واجتماعي واقتصادي وسياسي، فالدولة اللبنانية تنكر على الفلسطينيين أي حق إنساني أو اجتماعي بما فيه حق التملك، ما يزيد من معاناتهم الإنسانية، وهكذا لا يجد لبنان أمامه في التعامل مع قضية الفلسطينيين سوى خيارين: إما التوطين، وهذا مرفوض، وإما عودتهم إلى ديارهم وهذا ما ينتظره الفلسطينيون.
وفي الوقت الذي يؤكد فيه المجتمع الدولي مرارا على حق العودة للاجئين الفلسطينيين، فإن ممارسة الدول الكبرى وفي مقدمها الولايات المتحدة الأميركية كانت دوما باتجاه توطينهم، وخصوصاً أن هناك محاولة أميركية ـ إسرائيلية لتعديل القرار 194 الصادر عن الأمم المتحدة.
ولعل ما جرى تداوله على خلفية أحداث مخيم نهر البارد بين الجيش اللبناني وما يسمى بـ"فتح الإسلام" قد ربط بشكل مباشر الى نية بعض الاطراف اللبنانية التمهيد لمشروع التوطين.
ويكشف أمين سر منسقية حق العودة ورفض التوطين خالد الرواس لـ"الانتقاد" "أن هناك أفكاراً طرحت على بعض الفصائل الفلسطينية تتعلق باستبدال أرض مخيم نهر البارد بقطعة ارض خارج المخيم، وتحديداً في منطقة عكار بالقرب من مخيم البداوي، لكي ينتفي معها عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى المخيم مجدداً"، والغرض من وراء ذلك برأي الرواس "غايات سياسية خطيرة هدفها إفراغ مخيم البارد تمهيداً للإطاحة به وتدميره وإزالته عن الخريطة الجغرافية، وربطه بالمشروع الذي نسمع به وهو استحداث قاعدة عسكرية أميركية ومطار في القليعات بحيث يكون مخيم نهر البارد أو المنطقة التي يقع عليها المخيم امتداداً لهذا المطار المفترض".
ويضيف الرواس هنا "إن استحداث أي قاعدة عسكرية يحتاج إلى ذرائع ومبرارات أميركية كما هو حاصل في أفغانستان والعراق، وبالتالي فإن الإدارة الأميركية سوف لن تألو جهدا في خلق جو من التوتر الأمني على الساحة الداخلية ينبع مما يسمى التنظيمات الأصولية، وذلك بحجة محاربة الإرهاب"، ويقول: "في حال كتب لهذه القاعدة النجاح فسوف تكون بمثابة العين الجاسوسية على سوريا، وتحديدا على الساحل السوري على اعتبار القليعات تبعد عن الحدود السورية مسافة 15 كيلومتراً فقط".
ولعل الخطورة تكمن هنا برأي الرواس "في كون هذه الأفكار طرحت من قبل بعض فريق السلطة، وتحديدا قوى بارزة في الساحة السنية، وذلك تطبيقاً للمشروع الأميركي الإسرائيلي، على اعتبار أن إزالة أحد المخيمات من الوجود تعني فقدان الرمزية التي على أساسها ارتبط اللاجئون الفلسطينيون بالعودة إلى ديارهم".
والمهم في الأمر، أن مشروع التوطين بدأ يأخذ منحاه الجدي والتنفيذي برأي الرواس منذ صدور القرار 1559، وتحديداً منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري حيث إن الإدارة الأميركية أخذت على عاتقها تطبيقه، وقد ترسخ أكثر فأكثر بعد انتصار المقاومة على العدو الإسرائيلي في حرب تموز 2006، أي إن الأميركي دخل إلى المنطقة بالاصالة عن نفسه بعدما كان الأمر موكلا إلى الإسرائيلي، إذ إن الأميركي شعر بأن الإسرائيلي لم يعد الضمانة لترجمة هذا المشروع".
وإذا كان البعض يردد في الآونة الأخيرة بأن الطائفة السنية هي المستفيدة من وراء التوطين لكون بعض أقطابها يسعى إليه بالطريقة غير المباشرة عبر الأخذ على عاتقه تنفيذ القرار 1559 فإن "هذا الوضع سيؤذي الطائفة السنية" على حد قول الرواس، "وذلك لاعتبارين: الأول إن لبنان قائم على التوازن الطائفي، وهو خاضع لمنطق المثالثة ضمن المناصفة، وأي زيادة في عدد السنة ستأخذ من حصة الموجودين فيها، لا سيما فيما خص توزيع الحصص بين الطوائف، ثانياً: إن أهل السنة تاريخيا حاضنون للقضية الفلسطينية، وأي تخلّ عن هذه القضية هو تقديم خدمة مجانية للإسرائيلي، وهذا ليس من مصلحتهم".
ووفق السيناريوهات التي يجري تداولها لتوطين الفلسطينيين في لبنان، فهناك صيغتان، بحسب رئيس مركز باحث للدارسات وليد محمد علي:
الصيغة الأولى: تقوم على مزيد من التضييق على الفلسطينيين في وسائل عيشهم كما هو الحال الآن ليصبحوا جاهزين لتقبل أي فكرة تطرح من قبيل التوطين في البلد المضيف، بحيث إذا أُعلنت الدولة الفلسطينية بصيغة الدولة المؤقتة فيتم الاعتراف بها من قبل الجامعة العربية والأمم المتحدة فتصدر هذه الأخيرة جوازات سفر للفلسطينيين اللاجئين باسمها مقابل إعطائهم إقامة دائمة في لبنان، ويصبحون بالتالي رعايا لهذه الدولة في لبنان.
الصيغة الثانية: كأن تعلن صيغة الدولة الفلسطينية مع الأردن (صيغة وحدوية أو كونفدرالية) فيصار إلى إعطاء الفلسطينيين اللاجئين جنسية هذه الدولة الجديدة بحيث يصبحون جالية من هذه الدولة في لبنان، على أن تبقى إقامتهم دائمة في لبنان.
ويقول محمد علي "إن الفلسطينيين اتفقوا على الحد الأدنى من حقوقهم وهو إقامة دولة فلسطين على أراضي الـ67 وعاصمتها القدس، مع ضمان حق العودة، وأي تنازل عن هذا الحد المرسوم، يعني تفريطاً بحقوق الفلسطينيين".
ويشتمّ محمد علي من عدم اعطاء الفلسطينيين حق التملك في لبنان "رائحة التوطين، فلا يحق للفلسطيني أن يمتلك شقة إلا في حال امتلاكه الهوية أو جواز السفر، وكأنه يقول للفلسطيني عليك أيها الفلسطيني فيما لو أُعلنت الدولة الفلسطينية غداً، أن تقبل بهويتها حتى تحل مشكلتك!".
ويؤكد رئيس حزب التضامن إميل رحمة "أن هناك فريقاً سياسياً في خطابه دائماً يرفض التوطين ويطالب بحق العودة، وفريق آخر لا يأتي على ذكره إلا لماماً، ما يدل على أننا سنواجه قريباً خطر توطين الفلسطينيين".
لكن ما لم يتم قراءته جيداً بحسب ـ رحمه ـ هو "كلام للأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في الأيام الأولى من اندلاع أزمة نهر البارد عندما أكد أن الجيش اللبناني خط احمر، وان المخيم أيضاً خط احمر، وكان القصد من كلامه أن هناك مؤامرة اكبر من التوطين، وان إقحام الجيش في معركة نهر البارد إنما بهدف تحقيق هذا الامر!".
شخصية على تواصل دائم مع البطريرك صفير قالت لـ"الانتقاد"، إن البطريرك أبلغه في لقاء جمعه به أخيراً "أن ما يحصل في الشمال هو مقدمة للتوطين، وهو يرفض بشدة أن يكون لبنان ملجأ لتوطين الفلسطينيين، باعتبار لبنان بلد الرسالة، فإذا انتفت هذه الرسالة انتفت أسباب وجود لبنان". وتحذر الشخصية عينها من "أن المشروع الصهيوني الذي يعود الى عهد "بن غوريون" ما زال ماثلاً في ما يجري اليوم من تحضيرات تعد للمنطقة، وان واشنطن تضغط على السلطة الفلسطينية لحملها على القبول بحيثيات المشروع الهادف إلى تجاهل حق عودة الفلسطينيين والتحايل على القرارات التي أصدرتها الشرعية الدولية في هذا الخصوص، وإنه ليس ببعيد ان تطرح الإدارة الأميركية عبر وفودها من أعضاء الكونغرس فكرة توطين اللاجئين حيث هم، وخصوصاً في لبنان وسوريا للقضاء على أي بارقة أمل بقيامة فلسطين فيما بعد".
حسين عواد
الانتقاد/ العدد1220 ـ 22 حزيران/يونيو2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018