ارشيف من : 2005-2008
مع استمرار الحصار على الفلسطينيين :عمالة الأطفال في تصاعد
غزة ـ فادي عبيد
"كم هو صعب حينما تتبدل ملامح الفرح والسرور بملامح الحزن والشقاء، وكم هو أصعب حينما تتبدد أحلام المستقبل الوردي بفعل الواقع المأساوي، وحينما يصبح التنقل في الشوارع والطرقات المصدر الرئيسي للحصول على لقمة العيش، ومأوى للطفولة البريئة بدلاً من المتنزهات والحدائق".
هذا باختصار هو حال الكثيرين من أطفال فلسطين بصورة عامة، وقطاع غزة على وجه الخصوص في هذه المرحلة نظراً لتنامي حالة الفقر وارتفاع نسبتها بفعل الحصار المفروض على الفلسطينيين منذ أكثر من عام.
"تشتري بسكوت، طيب معايا علكة الخمس حبات بشيكل"، بهذه الكلمات استقبلني أحد الأطفال لدى نزولي من السيارة بينما كنت متوجهاً إلى عملي.
موقف ليس من السهل أن يتجاهله أي إنسان منا، خاصة وقد بدت في عينيه ملامح التعب والبؤس والشقاء، وقد أجهده السير بين الطرقات ناهيك عن أسلوبه في الحديث، فوجدت نفسي أتوقف وأقترب منه، وسألته عن اسمه وعمره؟ ولماذا يقوم بهذا العمل؟ فرد علي قائلاً: "أنا اسمي رائد، عمري تسع سنين، لكن ليش بعمل فأنت شايف الوضع صعب على الكل وبدنا نعيش، يعني فش رواتب وأبوي ما بيشتغل لأنه المعبر مسكّر واليهود مانعين العمال".
فسألته كيف يوفق بين دراسته وعمله، فنظر إلي وقد سال الدمع من عينيه وقال: "مش مهم المدرسة المهم نآكل أنا وإخوتي، وهيك شايف الناس كيف ما حدا قادر يقوم بحاله، فكيف بدو يقوم بغيره، خليها على الله بتهون كلها 100 سنة وبتفرج".
لكن الأهم من ذلك هو أن هذا الحال لم يقتصر على (رائد)، فهناك العشرات من الأطفال الفلسطينيين الذين ضاقت بهم الشوارع، فأخذوا يتنقلون بين الأزقة تارة، وتارة أخرى بين ورش السيارات، أو ورش الحدادة، وفي بعض الأحيان تراهم في المقاهي يقضون يومهم الطويل مقابل أجر قليل قد لا يصل في أغلب الأوقات إلى ثمن لعبة بسيطة قد تهفو نفس طفل لها.
نسب مخيفة
الواقع المرير للأطفال الفلسطينيين، والحديث عن ارتفاع نسبة العمالة في صفوفهم، دفعنا للحديث مع الأستاذ محمد قحمان مدير دائرة المسوح والعمل الميداني في الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، في محاولة للتعرف الى آخر الإحصائيات المتوافرة لديهم بهذا الشأن، فقال: "إن المعطيات تشير إلى أن 52.2% من مجموع السكان المقيمين في الأراضي الفلسطينية في منتصف العام الحالي 2007 هم أطفال دون سن 18 عاماً، منهم طفلان من بين كل خمسة أطفال يعيشون في أسر فقيرة".
أما عن نسبة الأطفال العاملين، فأوضح قحمان أن هنالك طفلا من بين كل عشرة أطفال في الفئة العمرية (10-17 عاماً)، صنف كمشتغل، وأن ما يقارب ثلثي الأطفال العاملين في الأراضي الفلسطينية يعملون لدى أسرهم بدون أجر.
وحول مجالات عمل الأطفال، أشار قحمان، إلى أن عمل الأطفال تركز في الزراعة والصيد، تلاهما التجارة والمطاعم، ثم العمل في مجال البناء والتشييد.
هذه النسب والأرقام تحمل في طياتها مؤشرات خطيرة، وبلا شك تتحدث عن نفسها ولا تحتاج إلا لتدخّل من العالم الدولي الذي أصبح يجيد فن التصفيق للاحتلال واعتداءاته ويغمض عينيه عن الضحية وأنينها.
وليس بعيداً عن هذا الجانب التقينا السيدة إيمان عدوان ـ مديرة دائرة الأطفال في أوضاع صعبة بوزارة الشؤون الاجتماعية ـ وسألناها عن موقفهم في الوزارة من هذه الظاهرة، فقالت: "إن عمالة الأطفال باتت واضحةً، وذلك يرجع بالدرجة الأولى إلى الاحتلال من جهة، ومن جهة ثانية إلى الحصار الدولي المفروض على الفلسطينيين.
وحول الجهود التي بذلوها للتخفيف من هذه الظاهرة وتداعياتها، أكدت عدوان أن الوزارة تعمل وفق إمكانيات محدودة، وبجهود شخصية، لكنها أوضحت أنه لو كان هناك حالات من هؤلاء الأطفال العاملين قد طردوا من مدارسهم، فإن الوزارة تبادر إلى إعادتهم من خلال مرشدي حماية الطفولة التابعين لها، أما إذا كان هذا الطفل فاشلا في دراسته، فإن الوزارة تعمل على تأهيله حرفياً، وذلك من خلال إلحاقه بأحد المراكز التأهيلية التابعة للوزارة، هذا إلى جانب العمل على توفير مبلغ مالي معين بصورة شبه شهرية شريطة أن ينطبق على هذا الطفل وحالته الأنظمة المعمول بها في الوزارة.
آثار سلبية
الآثار النفسية والاجتماعية التي قد يسببها عمل الأطفال، كان لها نصيب من تقريرنا، وفي هذا الإطار التقينا الأستاذ عطاف الدوش ـ الاختصاصي النفسي في المركز الفلسطيني للديمقراطية وحل النزاعات ـ فقال: "البعض من أهالي الأطفال العاملين يدرك مدى الآثار السلبية التي ستلحق بأبنائهم نتيجة التحاقهم بركب العمل قبل نضوجهم جسدياً وفكرياً، ولعل العامل الأهم هنا هو المستوى التعليمي لأفراد الأسرة، فكلما ارتفع المستوى التعليمي لرب الأسرة وأفرادها الآخرين انخفضت نسبة الأطفال العاملين، وليس هذا بغريب، فالتوعية الأسرية للطفل حول المخاطر التي ستلحق به جراء العمل تتناسب طردياً ومستوى التعليم، ومن هنا فإن عمل الأطفال سيؤثر سلباً على طريقة تفكيرهم وحياتهم المستقبلية".
هكذا هي الصورة إذاً للأطفال في فلسطين، إما أن تستشهد في طريقك إلى المدرسة أو داخل بيتك أو حتى في رحم أمك، وإما أن تعيش حياة خالية من الفرح واللعب، بل وحتى من الأحلام، ويبدأ برنامجك اليومي منذ ساعات الصباح ليس إلى مقعد الدراسة وإنما للسير في الطرقات وسط حر الشمس تبحث عن قوت يومك لا لشيء إلا لأنك فلسطيني تدفع ثمن الخذلان والصمت العربي والإسلامي، وتواطؤ من يسمون أنفسهم بدعاة الديمقراطية في العالم.
الانتقاد/العدد1217 ـ 1 حزيران/يونيو2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018