ارشيف من : 2005-2008

دارفور... على طريقة حزب الله

دارفور... على طريقة حزب الله

حل مشكلة دارفور بمبادرة من الحكومة السودانية وعلى الطريقة التي حلت بها مشكلة الجنوب السوداني، أي على أساس المشاركة المدروسة في الحكم وفي تقاسم الثروات، كان نصيبها الفشل.
والفشل كان من نصيب جميع الاتفاقيات التي تم التوصل إليها منذ العام 2003، تاريخ اندلاع المشكلة، بمبادرات عربية أو إفريقية أو دولية أو مشتركة.
كما كان الفشل نفسه من نصيب الاتفاقيات التي تم التوصل إليها برعاية إفريقية ودولية، والتي قضت بوقف إطلاق النار وبترتيبات أمنية تحت إشراف مراقبين أفارقة ارتفع عددهم من ستين إلى 300 مراقب، وفشلوا في مهمتهم بسبب عدم توافر الحماية اللازمة لهم، الأمر الذي استدعى تشكيل قوة من الاتحاد الإفريقي من 2000، ثم من 7000 جندي لتأمين هذه الحماية.
انتهاك الاتفاقيات وأجواء عدم الثقة المتبادلة وما إلى ذلك من مبررات يسهل استحضارها، جرى تقديمه على أنه في أساس كل هذا الركام من الفشل الذي أحاق بالحلول المقترحة التي حرصت الحكومة السودانية على القبول بها رغبة منها في عدم الانجرار إلى مواجهات في بيتها الداخلي مع قوى خارجية.
لكن الإيعازات الأميركية كانت، باعتراف العديد من المراقبين المحايدين، السبب الرئيسي في فشل الحلول وتفاقم المشكلة. فالمعروف، قبل عقود من تفجر مشكلة دارفور، أن يوماً لم يمر على السودان، منذ استقلاله عن الاستعمار البريطاني، من دون أن يعاني من  توترات داخلية وانقلابات عسكرية وحروب أهلية ومشكلات حدودية كان للقوى الغربية، والأميركية خصوصاً، اليد الطولى في تدبيرها وتأجيجها.
كما حدث أكثر من مرة أن تعرض السودان، قبل تفجر مشكلة دارفور، لضغوط سياسية واقتصادية وعسكرية، منها القصف الجوي الأميركي المباشر لأسباب مصطنعة تختفي وراءها استراتيجيات الهيمنة الأميركية ـ الإسرائيلية التي لا يمكنها إلا أن تمد عينها ويدها إلى بلد هو بمثل أهمية السودان الاستراتيجية. فالسودان بلد شاسع وغني بموارده الطبيعية والسكانية والمائية وبموقعه الاستراتيجي بين البحر الأحمر وخط الاستواء في عمق القارة الإفريقية. وتالياً كبلد يعطيه انتماؤه العربي والإسلامي والإفريقي أولوية استهداف خاصة من قبل مشاريع الهيمنة تلك.
وغاية القول إن استهداف السودان هو الذي أثار مشكلة دارفور باعتبار أن الأسباب التي يثار حولها الحديث الإعلامي، أي الخلافات القبلية والعرقية، وأحياناً الدينية، والنزاعات حول مصادر المياه والأراضي الخصبة، هي أمور قديمة قدم التاريخ، وشائعة في جميع بلدان العالم المغلوب على أمره، ويتم استيعابها والتعايش معها بشكل أو بآخر، من دون أن تتحول إلى مشكلات دولية من الدرجة الأولى، إلا بمقدار ما يتم استخدامها من قبل الأيدي الخارجية كجسور للعبور إلى الغايات الاستعمارية المعروفة.
لكن ما جعل التركيز الأميركي على زعزعة السودان، من خلال مشكلة دارفور، أكثر إلحاحاً، هو ما تبين مؤخراً من احتضان منطقة دارفور لمخزون نفطي يضاهي المخزون السعودي، ولمخزون من اليورانيوم هو الثالث في العالم، إضافة إلى ثروات طبيعية أخرى.
كما أن عقد اتفاقيات تجارية وإقامة مشاريع استراتيجية بين الحكومة السودانية والصين التي تقوم حالياً بتعزيز علاقاتها مع القارة الإفريقية في أجواء من التنافس الشديد مع الولايات المتحدة والمراعاة الصينية لمصالح البلدان الإفريقية، خلافاً لما اعتادت عليه إفريقيا من أشكال العلاقات الظالمة مع بلدان الغرب، يدفع الأميركيين إلى المزيد من الاهتمام بتأزيم الأوضاع في دارفور.
ويتم ذلك عبر تقديم الدعم العسكري والمادي لحركات التمرد المنتشرة في المناطق المحاذية للحدود التشادية، وعبر دفع هذه الحركات إلى رفض الحلول التصالحية وطرح المزيد والمزيد من الشروط التعجيزية.
وفي الوقت نفسه، تعمد أجهزة الإعلام الغربية والعديد من المنظمات "الإنسانية" إلى تقديم الوضع في دارفور على أنه مأساة وحرب إبادة عرقية ومجازر جماعية تقوم بها ميليشيات الجنجاويد المدعومة من الحكومة. وفي هذا السياق تقدم تلك الأجهزة أرقاماً خيالية عن ضحايا الحرب تصل إلى 200 ألف قتيل وأكثر من مليونين ونصف مليون من النازحين، وهي أرقام تتنافى مع الواقع لأنها، فيما لو صحت، لما كان بمقدور حركات التمرد أن تواصل تمردها وأن تتمكن من الاستمرار في تعطيل الحلول وتعميق الأزمة.
وإذا كانت الحكومة السودانية قد وافقت تباعاً على نشر مراقبين وقوات حفظ سلام من الإتحاد الإفريقي، فإنها فعلت ذلك تدليلاً على نيتها الحقيقية في التوصل إلى حل للمشكلة. وفي ظل الفشل الذي أحاق بمهمة تلك القوات بسبب الإيعازات الأميركية ورفض المتمردين إلقاء السلاح تمهيداً للبحث عن حل سلمي على أساس المشاركة والتقاسم، تواترت تهديدات الرعاة الدوليين والغربيين عن إمكانية تدخل الحلف الأطلسي في دارفور، وصدرت عن مجلس الأمن عدة قرارات لوّح آخرها، وهو القرار 1706، بإمكانية نشر قوات دولية تحت البند السابع في المنطقة، ما يعني أن المشكلة قد بدأت تتجه نحو آفاق محاولة الاحتلال العسكري المباشر من قبل قوات دولية قابلة، في نهاية المطاف، لأن تتحول إلى أداة في يد الأميركيين.
وكانت الحكومة السودانية قد وافقت على مبدأ نشر قوات دولية لكنها اشترطت مناقشة التفاصيل المتعلقة بمهام هذه القوات وصلاحياتها في إطار السيادة السودانية على دارفور.
وبنتيجة المفاوضات التي جرت منذ بداية العام الحالي بين الرعاة الغربيين والوسطاء الأفارقة والمسؤولين السودانيين، تم التوصل، يوم الأحد الماضي (17/6/2007)، إلى صيغة اتفاق وافقت معه الحكومة السودانية على نشر قوة إفريقية ـ دولية مشتركة تحت البند السادس في دارفور قوامها عشرون ألف جندي ومراقب.
وينتظر البدء بنشر هذه القوات في تشرين الأول/ أكتوبر القادم بعد استكمال البحث في أشكال انتشارها وسبل تمويلها وحدود مهامها.
والسؤال المطروح هو حول ما إذا كانت هذه القوات ستتمكن من القيام بمهمتها في حفظ السلام وفي فرض اتفاق نهائي بين الأطراف المتنازعة، أم أنها ستفشل في مهمتها شأن المبادرات السابقة نتيجة لإيعازات الأميركيين الهادفة، عبر تصعيد التدخل الدولي، إلى بسط سيطرتهم على الإقليم؟
الإجابة تظل مرهونة بما ستفرضه المتغيرات المحلية والدولية، وبمدى قدرة إدارة الرئيس بوش على التصعيد في ظل الهزائم التي لحقت بها في العراق وأفغانستان ولبنان. وفي الاحتمال الأسوأ، صدرت عن المسؤولين السودانيين، أكثر من مرة، تصريحات شددوا فيها على تمسكهم برفض الوصاية الدولية على دارفور، وعلى استعدادهم للرد على طريقة حزب الله.       
عقيل الشيخ حسين
الانتقاد/ العدد1220 ـ 22 حزيران/يونيو2007

2007-06-22