ارشيف من : 2005-2008

محادثات الساعات الأربع بين واشنطن وطهران..هل تفك عقد العراق المستعصية؟

محادثات الساعات الأربع بين واشنطن وطهران..هل تفك عقد العراق المستعصية؟

بغداد ـ عادل الجبوري

في قاعة الاجتماعات الرئيسية بمقر رئاسة الوزراء العراقية في داخل المنطقة الخضراء جلس السفير الإيراني حسن كاظمي قمي ومعه عدد من الدبلوماسيين الايرانيين في الجانب الأيسر لطاولة الاجتماعات، ليكون وجها لوجه مع السفير الاميركي رايان كروكر الذي جلس هو وعدد من أركان السفارة الأميركية في بغداد على الجانب الاخر من الطاولة، بينما جلس رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي على رأس طاولة الاجتماعات محاطا بنائبيه برهم صالح وسلام الزوبعي ومستشار الأمن القومي موفق الربيعي والناطق باسم الحكومة علي الدباغ ومستشارين للمالكي.

انها المرة الاولى التي يلتقي فيها دبلوماسيون ايرانيون واميركيون بهذا المستوى منذ سبعة وعشرين عاما، بعد انتصار الثورة الايرانية، وبدء عهد القطيعة بين واشنطن وطهران.

واللقاء في بغداد، وبرعاية وإشراف الحكومة العراقية ممثلة برئيسها، وبأجندة مباحثات لا تحتوي إلا موضوعا واحدا هو العراق، يعني الشيء الكثير.

وبعد جهد جهيد نجحت في الاتصال بأحد القريبين لأجواء المباحثات، وسألته عن الذي حصل، وقد أجاب بعد أن طلب عدم الإشارة إلى اسمه "أن أربع ساعات من المباحثات حول قضايا معقدة وشائكة ومتداخلة بين طرفين يختلفان في رؤاهما وتصوراتهما للكثير من الأمور، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تفضي إلى نتائج محددة وواضحة، إذا كان هناك أمر مهم قد حصل فهو تحديد مبادئ، وتشخيص اتجاهات، واتفاق على التواصل والاستمرار".

والمبادئ حددها رئيس الوزراء العراقي في كلمته المكتوبة التي افتتح بها الاجتماع، وتمثلت بصورة موجزة بما يلي:

- احترام إرادة الشعب العراقي وخياره الديمقراطي بوصفه دولة ديمقراطية فيدرالية موحدة تعمل على إرساء قواعد السلم الأهلي وإقامة علاقاتها الخارجية على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة وعدم التدخل في شؤون الآخرين.

- إن استمرار وجود قوات الاحتلال في العراق مرهون باستكمال بناء ورفع جاهزية القوات الأمنية العراقية، وان بقاءها مرتبط بالحاجة الأمنية الداخلية ولن يكون العراق منطلقا لتهديد أية دولة من دول الجوار.

- يرى العراق أن قرارات مؤتمر شرم الشيخ الأخير تشكل أساسا جيدا لدعم العراق والتعاون معه على تنفيذ الالتزامات والتعهدات المتبادلة.

- يعلن العراق حرصه واستعداده على إدامة هذا التواصل ورفع مستوى المشاركة فيه بما يسهم في تحقيق الأهداف المرجوة منه.

ويبدو أن كلمة المالكي مهدت الأجواء والمناخات المناسبة للشروع في المحادثات لأنها تضمنت أفكارا متوازنة اخذ بنظر الاعتبار في صياغتها وطرحها الواقعين الإقليمي والدولي، والتجاذبات فيما بينهما بشأن العراق. ومن هنا فإن الاتجاهات العامة لسير المحادثات والنقاشات قد تكون في جانب منها انطلقت من مبادئ المالكي.

وكان واضحا من خلال التصريحات التي أدلى بها كل من السفيرين الإيراني والأميركي بعد مباحثات الساعات الأربع أن هناك ارتياحا وتقويما إيجابيا لمجريات الأمور، وهناك في ذات الوقت توافق غير قليل في تشخيص الاتجاهات والأولويات التي تمحورت في التأكيد والتشديد على حصر البحث في الشأن العراقي، وتجنب إقحام القضايا والملفات الخلافية الأخرى بين الطرفين في هذا الشأن.

فالسفير كاظمي قمي أشار إلى جملة مسائل بعد خروجه من الاجتماع من بينها، الاتفاق مع الأميركيين على مبادئ تدعم الحكومة العراقية لتسوية مشاكلها الأمنية، واستعداد إيران لتقديم المساعدة للعراقيين في جميع المجالات وخصوصا في المجال الأمني تلبية لرغبة العراقيين أنفسهم، واقتراح تشكيل لجنة ثلاثية لتنسيق المسارات بشأن الوضع داخل العراق، وهذا الاقتراح تم إقراره بالفعل. أما السفير كروكر فقد أشار إلى أن جو اللقاء كان مشابها لمحادثات عمل تم خلالها طرح المبادئ التي توجه السياسة الخاصة لكل من بلدينا تجاه عراق، وكان هناك تطابق جيد جدا في كل القضايا مثل دعم عراق مستقر ديمقراطي وفيدرالي يسيطر على أمنه ويعيش بسلام مع جيرانه.

بيد أن ما بدا واضحا من خلال تصريحات السفير الأميركي ان واشنطن حاولت منذ البداية الضغط على طهران لحملها على الإقرار بأنها لعبت أدوارا سلبية في العراق، من خلال دعم الميليشيات المسلحة بالمال والسلاح والتخطيط لشن هجمات على القوات الأميركية الموجودة في هذا البلد، في حين جاء إعلان وزارة الأمن الإيرانية عشية المباحثات الإيرانية الأميركية في بغداد بالكشف عن تفكيك شبكة تجسس تعمل في جنوب وجنوب غرب إيران لمصلحة الولايات المتحدة الأميركية بمثابة رسالة إيرانية واضحة في دلالاتها ومعانيها إلى واشنطن، والغريب أن الأخيرة لم تعلق على ما أعلنته وزارة الأمن الإيرانية التي أشارت إلى أنها ستكشف خلال وقت قريب مزيدا من التفاصيل حول هذه القضية.

وبينما تم الاتفاق على عقد اجتماع آخر بعد شهر لاستكمال بحث ومناقشة الأمور المطروحة، وبحسب ما ذكرت مصادر مطلعة فإن اللجنة الثلاثية التي تم الاتفاق على تشكيلها على ضوء الاقتراح الإيراني ستنبثق عنها عدة لجان وستدرس وتبحث القضايا موضع الاهتمام، ومن المقرر أن تعرض أوراق عمل وتوصيات أمام السفراء في الاجتماع المقبل.

وبرغم ذلك فإن المباحثات والمحادثات الإيرانية ـ الأميركية لا يمكن بأي حال من الأحوال حصرها بالكامل في نطاق الشأن العراقي، لان هناك قضايا داخلية وإقليمية ودولية متداخلة ومن غير الممكن عزل كل واحدة منها عن الأخرى عند طرحها على بساط البحث والنقاش، ناهيك عن أن هناك نظرة عامة مفادها أن أي حوار إيراني أميركي بقدر ما ينحو منحى ايجابيا سيكون له تأثير غير قليل على أوضاع إقليمية ودولية، ارتباطا بالمكانة والتأثير الذي تتمتع به إيران كقوة إقليمية فاعلة لها حضور دولي منظور، وبما تتمتع به الولايات المتحدة من نفوذ دولي وحضور وتأثير في مختلف الشؤون والقضايا الإقليمية لمنطقة الشرق الأوسط. واختيار العراق كمدخل للحوار يعكس في جانب منه الأهمية السياسية والاقتصادية والأمنية التي يحظى بها في المنطقة والعالم على وجه العموم. وهذا ما أشار إليه عدد من المختصين بشؤون الشرق الأوسط في الولايات المتحدة وأوروبا وشاركهم فيه سياسيون وباحثون عراقيون، فخبير شؤون الشرق الأوسط في جامعة أكسفورد الإيراني الأصل فرهنك جان بور قال "انه من الخطأ لأميركا بصفتها القوة الأعظم ولإيران كقوة إقليمية متنفذة تجاهل الأهمية التي ينطوي عليها الحوار والتواصل الدبلوماسي بينهما، خصوصا بعد فشل إدارة الرئيس بوش في المساعي التي بذلتها على مدى العامين الماضيين لعزل إيران عن محيطها الإقليمي".

ولا شك أن حضور العراقيين كعنصر أساس، بل كراعٍ ومشرف على المباحثات يعني إمكانية الحؤول دون الابتعاد عن جوهر القضايا الملحة التي تشكل أولوية في الأجندة العراقية، والتركيز على الأهم فالمهم، لوضع النقاط على الحروف وفك العقد المستعصية في نسيج الواقع العراقي الراهن.    

 الانتقاد/العدد1217 ـ 1 حزيران/يونيو2007

2007-06-01