ارشيف من : 2005-2008

الحرب النووية ممكنة؟

الحرب النووية ممكنة؟

الصواريخ الروسية والأمريكية لا تزال في حالة التأهب للانطلاق. ويعتقد ويليام بيري أن "حالة منظومة الإنذار الروسية التي تردت بعد انتهاء الحرب الباردة تزيد من خطورة هذا الوضع".‏

صحيح أن خطر نشوب الحرب النووية بشكل عفوي يبقى قائما. كما أن منظومة الإنذار المبكر الروسية من الهجوم الصاروخي هيهات أن تكون قد تحسنت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.‏

ومع ذلك يجدر تناول شيء آخر وهو أن خطر اندلاع الحرب النووية العفوية يرتبط بنظام الردع المتبادل الذي ورثته روسيا والولايات المتحدة من الحرب الباردة. وطالما يوجد سلاح نووي ـ وحتى وإن كان بكميات قليلة ـ في ترسانتي هاتين الدولتين النوويتين وغيرهما يبقى خطر الحرب النووية العفوية قائما.‏

وكان المبدأ الكلاسيكي للردع النووي المتبادل يعمل فقط في علاقات الدولتين العظميين - الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة. وأرسيت في نظرية الردع فكرة العدو الحقود والتخويف المتبادل وسباق التسلح النووي. وأصبحت هذه النظرية قديمة وتحتاج إلى إعادة نظر في الظروف التاريخية الجديدة، إلا أن الولايات المتحدة تقوم في السنوات الأخيرة بخطوات في اتجاه معاكس تماما.‏

أولا ـ بذنب من الولايات المتحدة بالذات دمر نظام الرقابة على الأسلحة النووية من حيث الجوهر. وتنتهي فترة سريان أهم معاهدتين روسيتين أمريكيتين ثنائيتين في مجال الحد من الأسلحة الاستراتيجية وتقليصها ـ (معاهدة الأسلحة الهجومية الإستراتيجية) في عام 2009 و(معاهدة تقليص القدرات الهجومية الاستراتيجية) في عام 2012 . ولا يمكن المراهنة على عقد اتفاقيات جدية جديدة مع الولايات المتحدة والناتو في هذا المجال، في نظر خبراء. فرغم المصادقة على معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية من قبل ثلاث دول نووية عظمى ـ روسيا وبريطانيا وفرنسا ـ تبقى آفاق سريانها ميئوسا منها (بسبب موقف الولايات المتحدة والصين وإسرائيل وإيران والهند وباكستان وكوريا الشمالية وبعض البلدان الأخرى التي تمتلك تكنولوجيات نووية).‏

وربما ستكون معاهدة تقليص القدرات الهجومية الاستراتيجية على الأرجح آخر اتفاقية حول تقليص الأسلحة تعقد بين روسيا والولايات المتحدة. وسيجري تقليص الأسلحة النووية في أحسن الأحوال عن طريق الخطوات الأحادية الجانب المتوازية، ولربما بدون تنسيق متبادل أي بقدر الجدوى الاقتصادية والتقنية التي سيحددها كل من الطرفين ذاتيا دون أي مشاورات مع الآخر.‏

وثانيا ـ تهدم الولايات المتحدة بالذات أهم نظام أمن عالمي وهو نظام منع الانتشار النووي . فقد وجهت خلال عدد من السنوات الأخيرة أقوى ثلاث ضربات إلى هذا النظام.‏

الضربة الأولى ـ الانسحاب الأمريكي من معاهدة الدفاع المضاد للصواريخ لعام 1972. وأثر هذا الحدث سلبا على كل نظام الاتفاقيات التي جرى إعدادها في فترة الحرب الباردة بصعوبة كبيرة.‏

وتتمثل الضربة الثانية في النظرية النووية الأمريكية الجديدة التي لم تقلل معوقات استخدام السلاح النووي فحسب، بل ونقلته عمليا من ترسانة وسائل الردع السياسية إلى ترسانة السلاح الذي يمكن استخدامه في ساحات المعارك.‏

وتمثلت الضربة الثالثة في الاعتراف بالهند دولة نووية كحقيقة واقعة وتوقيع معاهدة تعاون واسعة الأبعاد معها في المجال النووي. وفي النتيجة تلاشت الحجج السياسية والمعنوية التي تعيق منع انتشار السلاح النووي. وبقي فقط من حيث الجوهر خطر استخدام القوة، ولكنه لم يعمل في حالة كوريا الشمالية.‏

ومن الممكن أن تواجه روسيا والعالم كله بعد 10 سنوات بهذه الصورة وضع انتشار الترسانات النووية في بلدان أخرى بما فيها الأنظمة المستبدة والمتقلبة. وستكون ظروف خزن السلاح النووي بأدنى مستوى من حيث الأمان. وبوسع هذا وذاك بالإضافة إلى احتمال ظهور الإرهاب النووي خلق أخطار لا تهدد الأمن الإقليمي فحسب، بل والعالمي أيضا. وستتراجع كافة التحديات والأخطار الأخرى سواء الايكولوجية أو تلك التي ترتبط بمجال الطاقة بالمقارنة مع تلك التهديدات إلى المراتب الخلفية.‏

وتجدر الإشارة إلى أن البشرية تعيش منذ "ولوجها القرن النووي الأول" في وضع تكون فيه آلية الدمار الشامل مضبوطة بصورة جيدة بحيث تستطيع أية حركة عفوية تشغيلها.‏

ومع ذلك لا يعد إدراك هذا الوضع بحد ذاته كافيا لتجاوزه. ويجب أن يستثمر فهم هذا الخطر بصيغة معاهدات حول نزع السلاح النووي. وتكمن المشكلة في عدم استعداد الولايات المتحدة لذلك حاليا.‏

(*)خبير مدرسة الاقتصاد العليا التابعة لأكاديمية العلوم الروسية‏

2007-07-27