ارشيف من : 2005-2008
حقوق الإنسان بين الإنسانية وشريعة الغاب
منذ أكثر من خمسين عاماً، شكلت مفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة بهدف العمل على احترام هذه الحقوق على النطاق العالمي.
أبرز المشكلات التي اعترضت عمل المفوضية تمحورت حول تعريف حقوق الإنسان في ظل خلافات جذرية حول الفهم الغربي لهذه الحقوق، وهو فهم يتمحور حول حرية الفرد والمبادرة الفردية من دون النظر في حقوق الشعوب والجماعات وفي الشروط الاجتماعية والسياسية التي تحكم حياة الجماعات والأفراد.
وكان هذا الفهم قد اصطدم في البداية بالفهم الماركسي الذي يشدد على المساواة في الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للأفراد مثل الحق بالعمل والصحة والتعليم، وهو أمر اضطرت البلدان الرأسمالية إلى الاعتراف به بعد عقود من الجدل والتحركات المطلبية التي شهدها الغرب في ظل الجاذبية التي تمتعت بها الأفكار الاشتراكية. كما اضطرت أيضاً، في مرحلة الانتقال من الأشكال القديمة للاستعمار إلى أشكاله الجديدة التي رافقت بروز الولايات المتحدة كقوة عالمية أساسية، إلى الاعتراف بحق الشعوب في تقرير مصيرها.
ومع انهيار الاتحاد السوفياتي بدأت بالظهور ـ على أنقاض النقد الماركسي للمفهوم البورجوازي لحقوق الإنسان ـ بوادر النقد الثقافي الذي ظهر في بلدان العالم الثالث واستند، في وجه المحاولات الهادفة لفرض المفهوم الغربي لحقوق الأفراد وصلته بتنظيم الأسرة وحقوق المرأة والطفل وحرية الاعتقاد والتعبير وما إلى ذلك، إلى التقاليد والقيم الخاصة بكل شعب.
وشكل ذلك أساساً لجدل واسع انبثقت عنه، في ظل العولمة الأميركية والاستعمار الثقافي، توجهات واضحة لفرض المفهوم الغربي لحقوق الإنسان بكل السبل الممكنة في مجال الإعلام والتعليم وصولاً إلى ممارسة الضغوط المباشرة كتلك التي تقصر حق الحصول على القروض أو الانضمام إلى المعاهدات والاتفاقيات الدولية على الجهات التي تخضع لشروط احترام حقوق الإنسان وفق الترسيمة الغربية.
كما تم في الإطار نفسه إقرار حق التدخل العسكري لحماية حقوق الإنسان وفق الترسيمة نفسها، وظهرت محكمة الجزاء الدولية التي اضطلعت بملاحقة من تم تصنيفهم مجرمين في حروب تفكك الاتحاد اليوغوسلافي.
وفي ظل عجز الأمم المتحدة عن تشكيل هيئات قضائية دولية ذات مهام محددة تشمل جميع البلدان وتعمل ضمن آليات متفق عليها دولياً، ظلت مسألة حقوق الإنسان خاضعة للاستنساب والانتقائية وازدواجية المعايير، وتحولت مفوضية حقوق الإنسان إلى سلاح بيد القوى المهيمنة على المنظمة الدولية، وبالتالي إلى أداة في خدمة مصالح الهيمنة الأميركية.
وبذلك فقدت مصداقيتها بشكل كامل ما أدى، قبل عام، أي في شهر حزيران/ يونيو الماضي، إلى تفككها واستبدالها بمجلس حقوق الإنسان الذي يضم 47 بلداً من البلدان الأعضاء في الأمم المتحدة، والذي اقتصرت مشاركة الولايات المتحدة فيه على العضوية بصفة مراقب، في حين كانت أكثرية الأعضاء من البلدان النامية.
وخلال عام من عمل المجلس المذكور، برزت في داخله مشكلات هددته بمصير مشابه لمصير المفوضية، ودفعت برئيسه لويس آلفونسو دو آلبان إلى تقديم مشروع للإصلاح، يوم الأحد الماضي (17/6/2007)، بهدف ضمان عمل وشفافية المؤسسة. مشروع الإصلاح يتضمن مقترحات حول تحديد البلدان التي غالباً ما تتهم بانتهاك حقوق الإنسان، وسلطة وصلاحيات الخبراء المستقلين، وإجراءات الطوارئ الخاصة بمعالجة الانتهاكات.
أما الخلافات فتتمحور حول التركيز على بلدان مثل كوبا وبيلوروسيا كبلدان متهمة، الأمر الذي أدى إلى بروز تحالف بين روسيا وعدد من بلدان أميركا اللاتينية بهدف تخفيف الضغط على هذين البلدين.
وفي حين تطالب بلدان كالصين وإيران باتخاذ القرارات بأكثرية الثلثين وبإلغاء مهام المراقبين المختصين ببلدان معينة لمصلحة آليات مراقبة تشمل جميع البلدان، يعارض الأوروبيون هذه المطالب، كما يظهرون استياءهم إزاء الانتقادات التي كثيراً ما يوجهها الأعضاء للممارسات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة.
أما الإصلاحات التي يطالب بها رئيس المجلس فهي عبارة عن صيغة توفيقية سيؤدي رفضها إلى فشل جديد في إرساء معالجة المسائل المتعلقة بحقوق الإنسان على أسس واضحة، وبالتالي إلى انهيار مجلس حقوق الإنسان.
وفي هذه الحالة ستظل مسألة حقوق الإنسان رهينة الاستخدام السياسي من قبل قوى الهيمنة، كما سيظل الاتفاق العالمي على تحديد واضح لهذه الحقوق مطلباً أساسياً على طريق العمل من أجل مواجهة شريعة الغاب المفروضة على العالم بشريعة أكثر عدلاً وإنسانية.
ع.ح.
الانتقاد/ العدد1220 ـ 22 حزيران/يونيو2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018