ارشيف من : 2005-2008
ساركوزي بين فرحة "إسرائيل" وقلق العرب من الفرات إلى النيل
باريس ـ نضال حمادة
كان يكفي العرب أن يقرأوا مقال بنيامين نتنياهو في صحيفة "يديعوت أحرونوت" تحت عنوان: "ساركوزي صديقي"، حتى يتوجسوا خيفة من سياسة الرئيس الفرنسي الجديد الذي لم يتوقف خلال حملته الانتخابية عن إعلان تأييده الصريح لـ"إسرائيل" والتزامه الكامل بأمنها.
كلام نتنياهو هذا له ما يبرره على أرض الواقع، فـ"إسرائيل" التي طالما وجهت انتقادات إلى فرنسا متهمة إياها باتباع سياسة تأخذ بالحسبان المطالب العربية في حدها الأدنى، "إسرائيل" هذه تستشعر هذه الأيام حلاوة الانتصار وهي ترى أصدقاءها في فرنسا من اليمين واليسار يتصدرون سدة الحكم، ويمسكون بالسلطة عبر انتخابات رئاسية وتشريعية يمكن اعتبارها استثنائية من ناحيتي نسبة المشاركة الشعبية الكثيفة، وفارق الأصوات الكبير بين ساركوزي ورويال في الدورين الأول والثاني من الانتخابات الرئاسية.
الرئيس ساركوزي أراد منذ الأيام الأولى لولايته الرئاسية تطمين العرب وإفهامهم أن سياسة فرنسا الوسطية التي أرسى معالمها الجنرال شارل ديغول في خمسينيات القرن الماضي، هذه السياسة لم تزل سارية المفعول في العهد الجديد، مع إصرار ساركوزي على ترك بصماته في طريقة التعاطي السياسية مع كل ملف على حدة.
من هنا أتت الخطوات الفرنسية في سبيل إيجاد مخرج للأزمة الداخلية في لبنان وما رافقها من انفتاح عبر القنوات الدبلوماسية على الطرف الأكثر تأثيرا في المعارضة اللبنانية، وإن كان بشكل غير معلن، أو ما يتردد في العاصمة الفرنسية عن زيارتين أجراهما مسؤول سوري بارز إلى فرنسا خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة، وهذا ما يمكن اعتباره انقلابا جذريا على النهج الذي اتبعه الرئيس السابق جاك شيراك في التعامل مع سوريا، حيث كانت قنوات الاتصال مقطوعة بالكامل بين فرنسا وسوريا.. وامتدت هذه
القطيعة إلى الدول الأوروبية تحت تأثير الضغط الشيراكي في نظرائه الأوروبيين.
هناك صعوبات كبيرة لإحداث تغيير جذري في سياسة فرنسا العربية يمكن تفصيلها كما يلي:
1 - قرب فرنسا الجغرافي من العالم العربي، ما يجعلها عرضة للتأثر بالأحداث الجارية هناك.
2 - وجود جالية عربية وإسلامية كبيرة العدد في فرنسا.
3 - مصلحة فرنسا في إيجاد تميز عن السياسة الأميركية يعطيها جزءا من نفوذ فقدته بعيد الحرب العالمية الثانية.
4 - حاجة فرنسا إلى البترول والغاز الآتي من العالم العربي، وخصوصا من الجزائر، حيث تعتبر فرنسا أنه لا يمكن الارتهان لسياسة روسيا في ما يتعلق بالطاقة التي تعتبر المحرك الأساس للاقتصاد الفرنسي والعالمي.
5 - الإخفاقات السياسية لإدارة بوش والمحافظين الجدد في مناطق متعددة من العالم، وخصوصا في العراق، والمأزق الداخلي الأميركي بين الجمهوريين والديمقراطيين حول الموضوع نفسه، زائد عدم استعداد الرئيس الفرنسي الجديد لربط سياسة فرنسا بتوجهات إدارة بوش التي هي عرضة لانتقادات أوروبية وعالمية كبيرة، والتي لم يتبق لها في الحكم أكثر من ثمانية عشر شهرا.
6 - وجود جنود فرنسيين يعملون تحت مظلة الأمم المتحدة في أفغانستان ولبنان، ما يجعل أمر المحافظة عليهم أولوية فرنسية على الصعيدين الشعبي والرسمي.
هذا من ناحية الظروف والمصالح التي تجعل العرب مطمئنين إلى عدم إمكانية حصول تغيير جذري في سياسة فرنسا الخارجية المتعلقة بالشأن العربي، ولكن في المقابل ما الذي يجعل "إسرائيل" تشعر بارتياح كبير وتتحدث عن مرحلة جديدة في العلاقات مع فرنسا، وصلت إلى حد إنتاج طابع بريدي عليه صورة ساركوزي، ودعوات صريحة الى اليهود للتصويت له، وهذا ما حصل تماما، حيث بلغت حصة ساركوزي من أصوات اليهود الفرنسيين 94 في المئة! ولماذا لم يستطع نتنياهو إخفاء فرحته وعبّر عنها في مقال بصحيفة "يديعوت أحرونوت"؟
الحقيقة في هذا الشعور الإسرائيلي تكمن في مجموعة المستشارين المحيطين بالرئيس ساركوزي، الذين حصلوا على مراكز حساسة في قصر الإليزيه وفي الخارجية، ومن هؤلاء من يعرف عنه مغالاته في تأييد "إسرائيل"، وتربطه بالحركة الصهيونية علاقات سياسية وعائلية، ومنهم من خدم العسكرية في الجيش الإسرائيلي وظهر على مواقع الانترنت يتجول في شوارع تل أبيب بالزي العسكري الإسرائيلي برتبة ضابط.
التوجه الفعلي لسياسة فرنسا الخارجية الجديدة سوف يتضح بحلول تشرين ثاني/ نوفمبر القادم، فبين هنا وهناك توجد العطلة الصيفية، والملفات الداخلية الفرنسية الملحة، والأهم من كل ذلك دخول الولايات المتحدة الأميركية مرحلة الحملة الرئاسية وما يصحبها من تفاعلات في الساحتين العالمية والعربية.. وهنا بيت القصيد.
الانتقاد/ العدد1220 ـ 22 حزيران/ يونيو 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018