ارشيف من : 2005-2008
أوكرانيا وأزماتها المتدحرجة
أبرز الأزمات هي تلك التي اندلعت بسبب التنافس على السلطة بين أركان النظام الجديد، وخصوصاً بين أبرزهم، رئيس الجمهورية فيكتور إيوتشنكو، ورئيسة وزرائه المليونيرة الثورية يوليا تيموشنكو، وسط معمعة الفساد واستغلال النفوذ وسطوة رجال المال والأعمال، وما إلى ذلك من ظواهر ليبرالية تستشري في ظروف الانتقال من الأوضاع التي يسميها الغربيون بالديكتاتورية نحو الأوضاع التي يصفونها بالديموقراطية، بقدر ما تأتي مستجيبة لمشاريعهم ذات البعد الواحد القائم على الهيمنة.
وفي ظل ذلك التنافس الذي لم يخفف من حدته سعي الطرفين إلى إقامة أوكرانيا ذات ارتباطات وثيقة بالحلف الأطلسي وبالاتحاد الأوروبي، عمد إيوتشنكو إلى إقالة يوليا من منصبها في رئاسة الوزراء، لكن هذه الأخيرة عادت على بساط من أوراق الاقتراع إلى البرلمان كخطوة أولى كانت تبدو شديدة الثقة بأن خطوات أخرى ستعقبها لتنتهي بها إلى المنصب الذي طردت منه، وربما إلى منصب الرئاسة الأولى لتثأر بذلك من إيوتشنكو بأن تطرده كما طردها.
لكن فوز يوليا بالدخول إلى البرلمان لم يكن كافياً لتحقيق طموحها بحده الأدنى. إذ مع إلحاقها الهزيمة بائتلاف إيوتشنكو، حيث حصل ائتلافها على 23 بالمئة من أصوات المقترعين مقابل 16 بالمئة لائتلاف منافسها، تلقت هي ومنافسها صفعة شديدة حين أسفر الاقتراع عن فوز العدو المشترك الذي لم يكن في الحسبان، فيكتور إيانوكوفيتش، زعيم حزب المناطق المتحالف مع روسيا، بـ31 بالمائة من الأصوات.
وهنا، كان على الرئيس الذي هبط إلى أسفل السلم، والذي ظل من حقه، وفقاً للدستور، أن يحتفظ بمنصبه في أعلى السلم حتى انتهاء ولايته، أن يختار بين خيارين أحلاهما مر.
إما أن يكلف بتشكيل الحكومة منافسته الطموحة يوليا تيموشنكا التي يتقاسم معها المبادئ الرائجة في الغرب، والتي دب بينه وبينها الشقاق المفضي إلى العزل، وإما أن يختار لهذا المنصب عدوه المبدئي، صاحب الفوز الانتخابي الكاسح، وصديق روسيا الجارة التي تترصد الفرص لتقويض الثورة البرتقالية.
ويبدو أن إيوتشنكو قد فضل التشارك مع العدو الصريح على التشارك مع حليفة الأمس التي انكشفت عن منافس خطر.
وبذلك أصبح فيكتور إيانوكوفيتش، القوي في البرلمان، رئيساً لوزراء أوكرانيا التي بهتت ألوانها البرتقالية أمام الإطلالة الجديدة للألوان الحمراء.
لكن خيار فيكتور إيوتشنكو وضعه في موقع المستجير من الرمضاء بالنار. إذ لم تلبث الخلافات أن دبت بين الـ"فيكتورين" لتدخل أوكرانيا في أزمة عميقة بين رئيس جمهورية ورئيس وزراء يتبنى كل منهما أفكاراً ومشاريع على الطرف النقيض من أفكار الآخر ومشاريعه.
واستمرت الأزمة في التفاقم حتى الثاني من نيسان/ أبريل الماضي حيث استخدم الفيكتور الأول، الرئيس إيوتشنكو، صلاحياته الدستورية وقام بإصدار مرسومين: الأول يقضي بحل البرلمان، بينما يقضي الثاني بإجراء انتخابات تشريعية مبكرة لانتخاب برلمان جديد. الفيكتور الثاني، رئيس الوزراء إيانوكوفيتش، لا يمكنه، من الناحية الدستورية أن يعترض على حل البرلمان، ولكنه اعترض على الانتخابات التشريعية المبكرة، واستمر في الاعتراض حتى نهاية شهر نيسان/ أبريل حيث وافق عليها، لكن على مضض. لكن هذه الموافقة لم تنه المشكلة، لأن الخلاف دب مجدداً حول موعد إجراء الانتخابات المبكرة.
فالرئيس أيوتشنكو يريد إجراءها بأسرع وقت ممكن، ورئيس الوزراء أياكونوفيتش يريد تأخيرها إلى أقصى مدى ممكن، أي ليس إلى ما قبل الخريف. وحول هذا الخلاف، دخلت أوكرانيا في أزمة جديدة استمرت أسابيع قبل أن تصل إلى ذروتها يوم الجمعة الماضي، في الخامس والعشرين من أيار/ مايو المنصرم، عندما قام الرئيس إيوتشنكو، بعد يوم واحد من إقالة رئيس المحكمة العليا من منصبه، باستدعاء قوات وزارة الداخلية إلى العاصمة كييف للسهر على حفظ النظام العام.
قوات وزارة الداخلية هذه تختلف عن قوات الشرطة، وهي عبارة عن قوات شبه عسكرية موروثة عن النظام السوفياتي وتضطلع بمهام من نوع قمع الشغب وحماية بعض المرافق العامة، ويبلغ تعداد افرادها في أوكرانيا 30 ألف رجل. عملية الاستدعاء هذه تمت عن طريق الكسندر كيشتنكو قائد تلك القوات الذي اعتبر أن قائدها الأعلى هو رئيس الجمهورية، وبأنه هو شخصياً ليس غير واحد من مرؤوسيه.
كما تمت دون موافقة وزير الداخلية فاسيل تسوشكو، المؤيد لرئيس الوزراء، الذي صرح بأن نشر هذه القوات غير ذي فائدة، واعترف أن قوات وزارته لا تطيع أوامره.
وقد اعتبر رئيس الوزراء هذا الإجراء مفتقراً إلى الشرعية وأيدته في ذلك المرجعيات القانونية والإعلامية، لكن رئيس الجمهورية لم يتراجع عنه حتى بعد أن أبدت كل من موسكو ومعظم العواصم الغربية تخوفها الشديد من عودة العنف إلى أوكرانيا، وأهابت بالفريقين أن يسعيا إلى حل المشكلة بالطرق الديموقراطية.
وهكذا تحركت قوات وزارة الداخلية من مختلف المناطق باتجاه كييف، لكن أحداً من افرادها لم يتمكن من الوصول، حيث عمدت قوات الشرطة إلى إنزالهم من الحافلات واحتجازهم في مناطق متفرقة من البلاد.
نوع من محاولة انقلابية يقودها، عن طريق جهاز أمني، رئيس جمهورية أقلوي ويخمدها رئيس وزراء أقلوي عن طريق جهاز أمني آخر! وأيضاً نوع من الظواهر العجيبة التي تتفتق عنها نظم الحكم المأزومة في البلدان المأزومة ذات المؤسسات الخاضعة لتجاذبات أطراف غير موحدة التوجهات. وفي كل ذلك بقي الجيش الذي يقوده أحد حلفاء رئيس الوزراء على الحياد لأن صلاحياته الدستورية لا تسمح له بالتدخل.
ولعل إحساس رئيس الجمهورية بخطورة وضعه، بعد فشل قوات الداخلية في الوصول إلى العاصمة، وبالنظر إلى ما يمكن أن يفعله الجيش في ظل الإمكانية الدائمة لتغيير الصلاحيات أو حتى الاستيلاء عليها بالقوة، هو ما دفع باتجاه التسوية.
وجاءت التسوية بعد يوم وليلة من النقاش المضني بين رئيس الجمهورية الذي عادت يوليا إلى دعمه، ورئيس الوزراء المدعوم من قبل رئيس البرلمان، لتنص على إجراء الانتخابات التشريعية لا بأسرع وقت ممكن، على ما يريده رئيس الجمهورية، بل في 30 أيلول/ سبتمبر، أي، ربما لحفظ ماء وجه الرئيس، قبل يوم واحد من الفترة الخريفية التي أعلن رئيس الوزراء عن تمسكه بها كموعد لإجراء الانتخابات.
وعليه تكون أوكرانيا، المتأرجحة بين الشرق الروسي المتحفز والغرب الأميركي ـ الأوروبي المرتبك، بانتظار الخريف لتعرف أين تضع أقدامها. لكن المشكلة تظل قائمة بمقدار ما قد لا تتمكن أوكرانيا من أن تجتاز الصيف من دون أزمة لا يعرف أحد من أين تأتي.
عقيل الشيخ حسين
الانتقاد/العدد1217 ـ 1 حزيران/يونيو2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018