ارشيف من : 2005-2008
إعلام المقاومة: نموذج جديد للحرب النفسية
حقق اعلام المقاومة نصراً واضحاً وكاملاً خلال العدوان الاسرائيلي على لبنان في تموز 2006، نصراً تجسّد ليس فقط ببقاء تلفزيون المنار وإذاعة النور على قيد الحياة، بل من خلال شنّ هاتين المؤسستين "حرباً نفسية بيضاء" نجحت بإضعاف معنويات العدو والتأثير على الفعالية العسكرية لقواته المعتدية كما واكبت صمود جمهور المقاومة.
اعلام صادق وموثوق
والمقصود بالحرب النفسية البيضاء تلك التي تعمد الى بثّ المعلومات الصحيحة والموثّقة وفق منظومة تتّفق مع المنطق ووقائع الأمور وتسعى لحشد المزيد من التضامن والتعاطف مع القضية المحقة. وهذا كان حال اعلام المقاومة الذي ساهم خلال عدوان تموز 2006 في تحقيق أمن اعلامي ولو نسبيا، فحافظ على حصانته وكان "أحد ركائز الأمن القومي لمصلحة الوطن العليا" وشهدنا من خلاله تجربة تحوّل فيها الاعلام الى سلاحٍ موازٍ لبقية الاسلحة بعيداً عن نموذج الحرب النفسية السوداء، حرب خاضها المستكبرون خلال القرن الماضي وقامت على الكذب والتضليل والتلاعب بالعقول.
المتلاعبون بالعقول
هنا مناسبة لاستذكار كتاب ساعد على فهم وتحليل ظاهرة التضليل الاعلامي التي خاضتها وسائل الاعلام الاميركية تجاه مجتمعها وغيرها من المجتمعات وهو كتاب "المتلاعبون بالعقول" من تأليف "هربرت شيللر" استاذ الاعلام والاتصال في جامعة كاليفورنيا الذي يتحدّث في كتابه عن محركي الدمى الكبار في السياسة والاعلان الذين يضعون الاسس والأفكار التي تجدد معتقدات ومواقف وسلوك الفرد، وتبرمج عقول البشر وتطوّع الجماهير للأهداف والسياسات السائدة حتى يتمّ ضمان تأييد النظام بغض النظر اذا ما كان هذا النظام يعمل للمصلحة العامة او ضد المصلحة العامة للشعوب، ويعكس الكتاب حالة الخداع وقلّة الحيلة التي عاشها المجتمع العربي امام الحرب النفسية التي خاضتها وسائل اعلام غربية واسرائيلية، فاخترقت المجتمع العربي واستغلّت التناقضات العربية، ونجحت في اشاعة روح اليأس في نفوس الشعوب العربية من قوة "اسرائيل" العسكرية، وزرعت في العقول أن العرب سيظلّون متخلّفين عسكرياً، وان "اسرائيل" هي الدولة الديموقراطية الوحيدة في المنطقة.
إن لم تصوّر لم تقاتل
ونجحت هذه الحرب النفسية وحققت اهدافها حتى ظهور إعلام المقاومة في لبنان الذي قدّم نموذجاً ناضجاً لحربٍ نفسية اعترف بتفوقها الاعداء حيث طرح الباحث الصهيوني "رون شليفر" ضمن دراسةٍ تحت عنوان: "الحرب النفسية في اسرائيل" تجربة اعلام المقاومة كمثالٍ لنجاح الحرب النفسية، فقد اقنع هذا الاعلام سكّان جنوب لبنان انّ بقاء "اسرائيل" في المنطقة قصير، وان حزب الله قائمٌ ومستمرّ.
ويشير شليفر الى تزامن الحرب النفسية مع العمل العسكري، فوجّه حزب الله رسائل اعلامية الى الجيش الاسرائيلي تتضمّن استعداد المجاهدين اللانهائي للتضحية بالنفس والممتلكات، وروّجت المقاومة لمصطلحات "كالمستنقع اللبناني" سيطرت على الاذهان، والمقصود
"أخرجوا من لبنان، ولماذا اطالة عمر المأساة دون فائدة". ويتوقّف شليفر عند قاعدة ذهبية في الحرب النفسية اعتمدها حزب الله وهي التالية: "ان لم تصوّر لم تقاتل"، فكان تصوير العمليات العسكرية وعلم حزب الله الذي يرفرف فوق المواقع المقتحمة مترافقاً مع اسلوب خطابي رفيع المستوى وبثّ موسيقى النصر، وفي المقلب الآخر يشاهد الاسرائيليون هذه الصورة وانفسهم تختلط فيها مشاعر الخوف والانهيار.
ما ذكرناه غيضٌ من فيض حرب إعلامية نفسية شكّلت أداةً اضافية في جعبة القيادة العسكرية للمقاومة، وساهمت في حسم معركة تاريخية واستراتيجية، قد تصبح في السنوات المقبلة مادة للدراسة والتدريس في مراكز الاعلام المتخصصة.
ويبقى السؤال: متى يحسم الاعلام العربي أمره ويدرك أهميته كأحد أركان الأمن القومي العربي؟؟
بثينة علّيق
الانتقاد / العدد1227 ـ 10 آب/أغسطس 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018