ارشيف من : 2005-2008

مجزرة الشياح: 41 شخصاً يلوّنون الحياة بشهادتهم

مجزرة الشياح: 41 شخصاً يلوّنون الحياة بشهادتهم

لم يكن أحد من سكّان منطقة الضاحية الجنوبية والنازحين من القرى الجنوبية الذين لجأوا إلى محلّة الغبيري، يتوقّعون أن ينتقل جحيم الغارات الإسرائيلية إلى مقرّهم الجديد والموقّت، فيطاردهم بحملة عنيفة من الدم والرعب، أوقعت مجزرة لم تكن في الحسبان، وإنْ كان العدوّ الإسرائيلي قد اعتاد على اقتراف المجازر والمذابح.
ولكنّ مساء يوم الاثنين في 7 آب/ أغسطس 2006، وقع المحظور، وتغيّرت الحكاية، وانضمّت الغبيري بقضّها وقضيضها، وبأنسامها ورائحتها، إلى كتلة الخوف الضاربة عميقاً في صميم لبنان، وصارت غصناً في شجرة عائلة المجازر الصهيونية، وصُبغت أحياؤها بالأحمر القاني الذي يعبّر عن استمرار إرادة الحياة ولو على الأجساد.
فمع جنوح الشمس نحو المغيب وبدء إياب الناس إلى بيوتهم على وقع الأخبار المرئية عن قصف جوي إسرائيلي هنا، وغارة جهنّمية هناك، وملحمة لرجال المقاومة الإسلامية عند تلك التلّة وفي ذاك الوادي، دهمت طائرات العدو، مبنى سكنياً في شارع الحجّاج المكتظّ بالسكّان، وأطلقت باتجاهه صواريخها القاتلة، فأسقطت طوابقه الستّة فوق رؤوس قاطنيه وضيوفهم اللاجئين إليهم خشية البقاء في العراء، وطاول مبنيين آخرين متشابكين معه، يتألّفان من خمسة طوابق وأربعة طوابق على التوالي، ما أدّى إلى مقتل 41 شخصاً جلّهم من الأطفال والنساء، من عائلات رميتي، ووهبي، ودهيني، وطه، وكنج، وبيلون، والعبد الله، وغيرها، وتضرّر عدد من المنازل المجاورة والمحال التجارية والمؤسّسات والسيّارات المتوقّفة على الطريق العام.
عاشت الشهيدة فاطمة أحمد وهبي يتيمة الأب الذي فقدته وهي صغيرة السن لم يتجاوز عمرها الثلاث سنوات، فاحتضنها عمّها محمّد وهبي، وحاول قدر المستطاع أنْ يعوّض عليها خسارة حنان الوالد وعاطفته ورأفته، فربّاها مع إخوتها، حتّى صارت صبية، وانتقلت إلى بيتها الزوجي مع عريسها فادي دهيني ورزقا بالطفل الشهيد محمد ابن السنة والأشهر الثمانية.
يحدو العمّ محمّد وهبي، وهو عامل ميكانيكي وقد فقد 15 شخصاً من أسرته وأصهرته وعدلائه، شوق جامح إلى طفلته التي صارت عروساً لم تكتمل فرحتها بصباها، فيزورها، كلّ يوم في مثواها الأخير كما يفعل سائر أهالي شهداء مجزرة الغبيري، للاطمئنان عليها عبر إرسال باقات عطرة من آيات القرآن الكريم إليها، ومحادثتها بلغة دامعة لا يفهمها إلا الملتاعون بالشوق لمن لم يعد بالمقدور رؤيته ومصافحته وتقبيله ومكالمته، لعلّه بذلك يستمرّ في القيام بما كان يفعله معها في الحياة، فالمرء وإن صار ذكرى إلا أنّه يستمر ابن الحياة ولو بعد الموت.
لا يكون محمّد وحيداً في مشواره هذا، وفي واجبه اليومي المحبّب إلى قلبه، بل تسبقه إليه زوجته والدة فاطمة التي تغسل الضريح الجامع لفاطمة وطفلها معاً، بكفّيها، وكأنّها تمسح خدّيها وتمشّط شعرها وتسرّحه، فيما يفرش الزوج المفجوع فادي، الورد بأصنافه المختلفة عليه، وكأنّه يقلّدها "علامة" الزفاف.
يقول محمد إنّه لم يعد يصعد إلى ضيعته حاروف الجنوبية لأنّ فاطمة لم تعد موجودة بين الحاضرين في نهاية كلّ أسبوع، ويقول إنّ البديل صار زيارة قبرها المجاور لمكان عمله وذلك "لكي أطفئ نار الشوق إليها وإلى طفلها لعلّني أبرّد قلبي قليلاً".
عندما سقط صاروخ الإرهاب الإسرائيلي على المبنى الذي تقطن في الطابق الأوّل منه فاطمة وطفلها، كان بيتها المتواضع المؤلّف من ثلاث غرف مع منتفعاته، يضمّ اثني عشر شخصاً هم: خالها علي إبراهيم وهبي وزوجته سلوى نسر وأولادهما حسن وحسين ووعد التي أطّلت على الدنيا خلال هذه الحرب وعاشت اثني عشر يوماً فقط، وبنت خالتها سوزان طه وطفلاها رشا وحسين علي عباس، وابن خالتها شقيق سوزان، محمّد طه وطفله عبد الله طه، ولم يخرج أحد منهم سالماً، فتوزّعت أشلاؤهم في غير بقعة منه، وكانوا الدفعة الأخيرة التي أمكن استخراجها من تحت الأنقاض والردم فهم كانوا في الطابق الأوّل الذي تلقّف كلّ الطوابق العالية واحتضنها في جسده، فتبخّر الأمل بخروج أحياء منه، بعدما كان يظهر عند العثور على جريح أو مصاب فيه رمق من حياة.
تسأل والدة فاطمة خلال جلوسها قرب الضريح ممسكة بالسبحة، عمّا يدفعها إلى المجيء يومياً إلى الجبّانة، فتقول بصوت هادئ "حتّى نستأنس بهم فلم يعد لدينا سواهم"، على الرغم من أنّ لديها أبناء وبنات آخرين وكلّهم غالون، ولكنّ الفراق صعب حتّى ولو كان موتاً عادياً، فكيف الحال وهو جرى خلال مجزرة دموية؟
عائلة أخرى كانت خسارتها كبيرة في هذه المجزرة، هي عائلة رميتي التي قدّمت 13 شخصاً من أفرادها من مختلف الأجيال بينهم الجدّ والعمّ والأب والأم والزوج والزوجة والأخت والأخ والطفل، قرابين على مذبح الوطن.
تقول السيّدة هدى رميتي وهي جالسة قرب الأضرحة الجامعة لأنسبائها تتلو عليهم ما تيسّر لها من الأدعية "ليس لي قلب إلاّ أنْ آتي يوميّاً إلى هنا لأتفقد الأحبّة الذين باتت الحياة من بعدهم بلا طعم وغير مجدية"، وتضيف، والدموع تذرف من عينيها، "ابنتي فاطمة كانت في سنتها الأولى في الجامعة، وابنتي الثانية ملاك في صفّ "البرفيه"، وابني المهندس محمّد في سنته الجامعية الأخيرة في علم الكومبيوتر، وابنة سلفي كوثر في سنتها الجامعية الثانية". هي خسارة مضاعفة إذاً، فهؤلاء كلّهم طلاّب علم، ولم يكونوا يتوقّعون أن تخطفهم الصواريخ الإسرائيلية قبل إتمام تحصيلهم العلمي، وقبل دخولهم معترك الحياة.
لا تتذكّر السيّدة هدى من وقع ذلك اليوم المشؤوم شيئاً سوى إصابتها بجروح، ونكبتها بخسارة عائلتها، وتقول "كان الطيران الإسرائيلي يصوّر مثلما يفعل في كلّ يوم ولم نأبه له لأنّنا اعتدنا على زياراته اليوميّة غير الودية، ولم نشعر إلاّ ونحن نقع من بيتنا ولم نعرف ما حصل إلاّ لاحقاً بعدما تمّت معالجتنا في المستشفيات".
لقد أصيبت هدى مع زوجها علي رميتي وولدها حسين وابنة سلفها إسراء التي استشهد والداها وأختها، بجروح مختلفة عندما كانوا مع الآخرين في المنزل الكائن في الطابق الثاني من المبنى الذي تهدّم كلياً ولم تبق منه إلاّ الذكريات وصور الأمس بحلوّها ومرّها.
علي الموسوي
الانتقاد / العدد1227 ـ 10 آب/أغسطس 2007

2007-08-10