ارشيف من : 2005-2008
السنيورة طلب من العميد الاستسلام وفتفت قال له قادة الجيوش يتفاوضون: رواية ثكنة مرجعيون قبل احتلالها وحتى كوب الشاي
قبل يوم واحد من وصول الدبابات الاسرائيلية في العاشر من آب 2006 الى ثكنة مرجعيون، طلب العميد عدنان داوود بصفته أعلى مرجعية أمنية في المناطق التي انسحبت منها اسرائيل في أيار من العام ألفين، طلب من جميع العناصر والضباط تسليم أسلحتها الى أمين المستودع، وعدم التجول بين المباني إلاّ في الحالات الطارئة جداً، والتزام غرف المنامة والممرات الداخلية فقط.

أثار هذا القرار الذي جرد الثكنة من وظيفتها الدفاعية حفيظة بعض الضباط والجنود الذين وصفوا أوامر العميد بأنها استسلام، لكن العميد أصرّ على تغيير وظيفة الثكنة والجنود والدرك من قوة أمنية الى قوة انسانية حاصراً مهمتها في تأمين الخبز والماء الى النازحين من البلدات المجاورة الى القليعة ومرجعيون، واسعاف الجرحى إذا أمكن، وحاول أن يطمئن أكثر من 350 عسكرياً يأتمرون بأوامره عندما كرّر ما كان يقوله من اليوم الثالث للعدوان بأن صديقه المقرب السفير جوني عبده المستشار الأمني للنائب سعد الحريري لا يزال يؤكد له بأن الجيش الاسرائيلي لن يقصف الثكنة، ولن يدخلها اذا التزم الضباط والجنود فيها الهدوء ووقفوا على الحياد.
قبل أربعة أيام من وقف الأعمال العدونية وتحديداً في العاشر من آب أعطى الجيش الاسرائيلي أوامره لعشرات الدبابات باختراق الحدود مع لبنان، واحتلال مدينة مرجعيون في طريقها الى أقرب نقطة مطلة على نهر الليطاني.
أدرك أحد عناصر ثكنة مرجعيون المكلف مراقبة الحدود من برج على السطح ان الحشود الاسرائيلية غير المسبوقة في مستوطنة المطلة تنذر بهجوم وشيك.
قبل ثلاثة أيام من وصول الدبابات الى الثكنة نقل هذا الجندي المعلومات بالتفصيل كما شاهدها بواسطة منظار الى العميد الذي عاد وكرر معزوفة الطمأنة نفسها، لذلك بدت عليه الخيبة عندما ردّ على الهاتف الداخلي، كان على الخط حارس البوابة الذي قال بصوت قلق "سيدنا الاسرائيلية على باب الثكنة" فردّ العميد مستنكراً "شو عرّفك إنو إسرائيلية".
ـ الحارس: "أكيد اسرائيلية"
ـ العميد: "هل هم بقربك"
ـ الحارس: "انهم على الطريق، على بعد 10 أمتار من البوابة"
ـ العميد: " لاتتعاطى معهم"
ـ خيّم الذهول على جميع الموجودين في تلك الغرفة التي استحدثها العميد مؤخراً كغرفة عمليات محمية وزودها بمكتب وأربعة كراس وهاتف ثابت وسريرين اثنين. أبدى البعض قلقه من عواقب دخول الجيش الاسرائيلي الى الثكنة أو حتى محاصرتها، باستثناء العميد الذي كان حتى تلك اللحظة يؤكد بأن الضمانات التي حصل عليها من جهات عدة تحول دون دخول الاسرائيليين الى الثكنة، وما هي إلاّ لحظات حتى رنّ الهاتف مجدداً.
ـ الحارس: "سيدنا عندي ضابط اسرائيلي بدو يحكي معك"
قبل أن يرد العميد كان الضابط الاسرائيلي قد خطف السماعة من الحارس وبادره بالانكليزية قائلاً:
ـ الضابط الاسرائيلي: " أنا الكولونيل اشعيا من جيش الدفاع الاسرائيلي".
ـ العميد: "انا الجنرال داوود من الدرك اللبناني"
ـ الضابط الاسرائيلي: "نريد الدخول الى الثكنة وتفتيشها والتأكد من عدم وجود عناصر حزب الله".
ـ العميد: "اعطني مهلة مراجعة المسؤولين"
ـ الضابط الاسرئيلي: "حسناً أنا انتظرك".
في هذه اللحظة فتح ضباط الجيش اللبناني من الموجودين في غرفة عمليات العميد هواتفهم الخلوية لإطلاع قادتهم على الطلب الاسرائيلي. أما الجنرال عدنان داوود فاتصل من هاتفه الخاص بمكتب وزير الداخلية أحمد فتفت الغائب عن السمع، وهو ما رفع من وتيرة قلق العميد الذي أمضى أكثر من نصف خدمته في الدرك في مكتب مكافحة المخدرات، وكان يتردد الى المنطقة المحتلة على المعابر بكل حرية ودون اعتراض عملاء الجيش الاسرائيلي. أصرّ العميد على مكالمة الوزير فتفت شخصياً وبسرعة "لأن الأمر في غاية الأهمية"، هذا ما كان يردده على مسمع المجيب على هاتف الوزير، وبعد إلحاح بدون طائل قال العميد: "قولوا لمعالي الوزير ان الاسرائيلية على باب الثكنة بمرجعيون، وبدى احكيه ضروري".
تم تحويل المكالمة الى الوزير فتفت الذي سمع العميد يقول له "شو بعمل يا معالي الوزير الاسرائيلية على الباب".
لم يندهش الوزير فتفت، وكأنه كان على علم مسبق بوصول الدبابات الاسرائيلية الى الثكنة، وقال: "استمهلهم حتى أرى ماذا أفعل".
كان الضابط الاسرائيلي على بوابة الثكنة يلح من هاتف الحارس بالدخول. لذلك اتصل العميد بالوزير فتفت مجدداً.
ـ العميد: "هذا الضابط الاسرائيلي يريد الدخول الى الثكنة"
ـ الوزير: "انزل وقابله على الباب وتفاهم معه".
ـ العميد: "معقول هذا الكلام يا معالي الوزير"
ـ الوزير: "نعم معقول، فقادة الجيوش يتقابلون ويتفاهمون".
استعاد العميد ثقته بنفسه عندما سمع الوزير فتفت يقول له إن قادة الجيوش يتقابلون، وشعر بأنه قائد للجيش، فتوجه فوراً الى البوابة برفقة عقيد في الجيش اللبناني، ومقدم في الشرطة العسكرية.
كانت الساعة تشير الى العاشرة والنصف تقريباً عندما صافح الجنرال داوود الكولونيل اشعيا بعدما طلب من العقيد والمقدم (من الجيش اللبناني) التراجع الى الوراء، وانفرد الضابط الاسرائيلي بالعقيد عدنان داوود لمدة عشر دقائق في حوار عرفت تفاصيله من تصرفات العميد الذي عاد الى الثكنة بمجموعة اوامر:
ـ "ارفعوا العلم الابيض على البوابة الرئيسية".
ـ "خلي العسكر يدخلوا الى غرفهم".
ـ "ممنوع التجول في الممرات".
رُفع العلم الابيض على باب الثكنة، خلع عدد من العناصر البزّات العسكرية من تلقاء انفسهم وجلسوا في ثيابهم الداخلية البيضاء للتأكيد على ان الحرب الدائرة بين الجيش الاسرائيلي والمقاومة لا تعنيهم.
استسلمت الثكنة بدون مقاومة، وبأقل مما يليق بهم. دخل الكولونيل اشعيا البوابة مُرحباً به في مهمة لخصها العميد داوود لأكثر من 350 عسكرياً محتجزين في داخلها "سيدخل الاسرائيلي سلمياً الى الثكنة لتفتيشها والتأكد من عدم وجود عناصر تابعة لحزب الله والاطلاع على نوعية السلاح الموجود مع العسكريين اللبنانيين".
كان الضابط اشعيا وصل في ذلك اليوم الى ثكنة مرجعيون ناجياً من كمين كبير وقعت فيه دبابات الميركافا في سهل الخيام، وصلت القوة التي كان يقودها الى بلدة دبين، واشتبكت مع المقاومة لساعات قبل ان تجبرها على التراجع عن وجهتها الى نهر الليطاني وسلوك البولفار الرئيسي في مرجعيون باتجاه بلدة القليعة. أدرك هذا الضابط ان قواته محاصرة بنار المقاومة من تلال بلدة الخيام التي ظلت تقاوم بالرغم من الغارات الجوية التي دمرت غالبية بيوتها، ومن تلال الجبال المحيطة بقلعة الشقيف، لذلك لم يكن أمامه أي خيار للنجاة سوى باللجوء الى ثكنة مرجعيون، فاقترب من الحارس، وطلب منه الاتصال بقائد الثكنة.
وصلت تعزيزات اسرائيلية اضافية، جنود من المشاة كانوا وصلوا ليلاً الى القليعة وتمركزوا في البيوت، ووحدات من الاستخبارات، بعدما صدرت الأوامر في تل أبيب بمنع انتقال سلاح الثكنة الى أيدي المقاومة، والحيلولة دون تمركز عناصر حزب الله فيها.
في تلك اللحظة التي سبقت دخول الاسرائيليين الى الثكنة شنت المقاومة هجوماً صاروخياً على تجمع للدبابات الاسرائيلية بالقرب من مطعم راشد، فعمّت الفوضى المكان، وبدأت الدبابات تطلق النار عشوائياً الى داخل الثكنة، وهي تنفذ عملية اقتحام صورت بالفيديو، وسارعت الى الاحتماء بعناصر الدرك والجيش اللبناني في مبنى القيادة واتخذت منهم دروعاً بشرية.
بعدما هدأت المواجهات على البولفار بالقرب من مطعم راشد، قام نحو 15 جندياً اسرائيلياً برفقة العميد بالبحث داخل الثكنة عن السلاح، فتشوا المستودعات، حطموا أبواب الغرف وخزائن الثياب، وحطموا بالمطرقة والازميل الأقفال، دامت جولة التفتيش حوالي ساعة وانتهت عند مبنى القيادة حيث يحتجزون عدداً كبيراً من العسكريين اللبنانيين. ودعهم العميد، وعاد ليؤكد مجدداً بأنهم لن يعودوا مجدداً.
بعد دقائق قليلة، عادت وتجددت المواجهات العنيفة قرب البولفار، ويبدو ان القوات الاسرائيلية وقعت في كمين للمقاومة ولم يكن أمامها سوى اللجوء الى الثكنة مجدداً، لكن هذه المرة بأوامر واضحة "احتلال الثكنة".
اعترض العميد داوود أمام الكولونيل اشعيا على عودة الدبابات الى الثكنة، وقوبلت اعتراضاته باستهزاء من الاسرائيليين وعدم اكتراث، وفي وقت لاحق بعد وقف العدوان قال العميد داوود ان الموساد الاسرائيلي كان في عديد القوة الاسرائيلية التي احتلت الثكنة، وكان لديهم قوائم بأسماء العسكريين، وأخبروه انه سيتم اعتقال المطلوبين.
اتصل العميد بالوزير فتفت الذي أكد ان رئيس الحكومة فؤاد السنيورة ينسق مع الشيخ سعد الحريري وسيردون عليه الخبر.
بعد لحظات اتصل السنيورة نفسه بالعميد وأكد له أنه "حكى مع سعد، وسعد اتصل بوزيرة الخارجية الاميركية، ورايس اتصلت بالسفير الاميركي في اسرائيل وطلبت منه الضغط على حكومة اسرائيل لسحب الجيش الاسرائيلي من الثكنة".
السنيورة اتصل مجدداً بالعميد وأخبره بأن وزير الدفاع الاسرائيلي وافق على سحب قواته من الثكنة لكن رئيس الاركان لم يقبل وطلب منه ان يتصرف مع العناصر والضباط كأسرى حرب.
بالانتقال الى الرواية الاسرائيلية فإن وزير الداخلية الاسرائيلي أجرى اتصالاً بالنائب سعد الحريري عن طريق طرف ثالث هو "رون لودر" رئيس مجلس ادارة سلسلة متاجر "استيه لودر العالمية" لمستحضرات التجميل التي افتتحت فرعاً لها في بيروت قبل عدة سنوات باسم "آشتي" بالاشتراك مع عائلة الحريري، وجاء هذا الاتصال لتأمين الحماية لأكثر من مئة جندي اسرائيلي محاصرين في ثكنة مرجعيون، والحؤول دون قتلهم أو وقوعهم في الأسر، وقد اضطر هؤلاء الجنود الى دخول الثكنة مجدداً بعد قليل من مغادرتها بعدما فوجئوا بكمين كبير لحزب الله في محيطها.
تلاشت التطمينات، وانصرف العميد إلى العمل بتوجيهات رئيس الحكومة فؤاد السنيورة بالاستسلام والتصرف كأسرى حرب، عمم العميد على جميع الضباط والعناصر "صرنا أسرى حرب".
كانت الساعة تشير الى الخامسة عصراً من العاشر لشهر آب 2006 عندما فرض الجيش الاسرائيلي حظراً على التجوال داخل الثكنة واحتجز أمين المستودع داخل المستودع وصادر المفاتيح وحولوا غرف المنامة الى سجون للعسكريين، وحبسوا عدداً منهم في الحمامات، وقاموا بأعمال التدشيم للابواب والشبابيك واتخذوا أوضاعاً قتالية مع رشقات نارية متقطعة لإرهاق الاسرى، فيما اقتادت مجموعة من جنود العدو العميد وعدداً من الضباط الى غرفة في مبنى المكافحة، وهناك طلب العميد من أحد العسكريين اعداد شاي الضيافة للإسرائيليين، بناء على طلب الإسرائيليين أنفسهم كما صرح في وقت لاحق، وينقل أحد الذين كانوا مع العميد في حفلة الشاي ان الجنرال داوود كان طوال الوقت باسماً وشوهد أكثر من مرة وهو يلف يده خلف ظهر الضابط الاسرائيلي هامساً وضاحكاً، ولاثبات صحة هذا الكلام يكفي مراجعة شريط الفيديو الاسرائيلي حيث ظهر العميد منشرحاً.
في صباح يوم الحادي عشر من آب أخبر العميد الضابط والعناصر بأن مفاوضات الليل بين الحكومة وقوات الطوارئ الدولية انتهت باتفاق على إخلاء ثكنة مرجعيون بمواكبة دولية، وتوالت التعليمات لتأمين الانتقال الآمن للعسكريين "على كل عسكري ان يحمل شنطة صغيرة فقط، ويجب ابراز البطاقة العسكرية أمام الجندي الاسرائيلي قبل الصعود في السيارات والشاحنات"، ويصف أحد العسكريين اللبنانيين مشهد إخلاء الثكنة بأنه مجبول بالذل، والبعض كان يشعر بأنه ارتكب خيانة بحق الوطن. في ذلك الصباح "وقفنا في صف طويل أمام الجنود الاسرائيليين وكانت كاميرات الاسرائيليين تصورنا ونحن نبرز بطاقاتنا العسكرية بدون تردد، أمضينا على باب الثكنة حوالى 4 ساعات بانتظار الاتفاق على الطريق التي ستسلكها قافلة الثكنة، ويبدو أن النشرات الاخبارية كانت تتابع التفاصيل فقد تدفقت السيارات المدنية من مرجعيون والقليعة والبلدات المجاورة تريد الخروج من المنطقة مع القافلة فانحشرت سياراتنا مع السيارات المدنية، وانتظرنا على البولفار 5 ساعات اضافية قبل أن ترافقنا 4 سيارات عسكرية مصفحة تابعة لقوات الطوارئ لسلوك طريق برغز حاصبيا وراشيا وصولاً الى جب جنين، ومن هناك باتجاه كفريا حيث كان الطيران الاسرائيلي بانتظارنا للإغارة على القافلة، بعدما تركتنا مصفحات الطوارئ في منتصف الطريق.
في جولة على الثكنة بعد وقف الأعمال العسكرية، أكد احد المكلفين بالكشف والمعاينة في تقرير رفعه الى المعنيين ان الجيش الاسرائيلي فخخ الثكنة، وكان ينوي نسفها، لكنه اكتفى قبل الانسحاب منها بتفجير مستودع الأسلحة بعدما سحب الأسلحة الصالحة منه والتي كان قد أمر العميد بتجميعها في المستودع. كما فجروا مقر قيادة قوى الأمن الداخلي، وقاموا بسحب أجهزة تخزين المعلومات من الحواسيب.
الملف حُفظ في مكان ما، ولم يتم فتح تحقيق بما جرى، لمعرفة من المسؤول عن استسلام الثكنة.
قاسم متيرك
الانتقاد / العدد1227 ـ 10 آب/أغسطس 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018