ارشيف من : 2005-2008

إلى ما بعد بعلبك.. القوة الجوية اقع في "مثلث الفشل"

إلى ما بعد بعلبك.. القوة الجوية اقع في "مثلث الفشل"

تستغل القيادة العسكرية في أي حرب كل فرصة تسنح لها لإثبات قدرتها على تنفيذ ضربة خارج خط المواجهة وداخل خطوط العدو، وبهذا ترفع معنويات خطوطها الهجومية والدفاعية وتزيد من تماسك الجبهة الخلفية.
رئيس أركان حرب العدو خلال العدوان قرر خوض هذه التجربة بناء على معلومات "مؤكدة ودقيقة" عن وجود الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله في منطقة البقاع، وتحديداً في محيط مستشفى دار الحكمة، وربما داخلها.. لكنه لم يحسب حساب "العدو".. الماهر في اصطياد طرائده..
ففي اليوم الحادي والعشرين أمضى الإسرائيليون سبع ساعات في محاولة للهروب من الهزيمة على جبهة الجنوب فقرروا تنفيذ إنزال في مدينة بعلبك، في محاولة للقبض على الأمين العام لحزب الله وجلبه "مخفوراً"، ليصور بعدسات التلفزة والصحافة ولتوزع صوره في اليوم التالي ببزة السجن، فتتهاوى المقاومة ورجالها وشعبها.
لكن حساب الحقل لم ينطبق على حساب البيدر، لأنه كما عادة هذه المدينة والمناطق المحيطة بها سهلاً وجبلاً.. غلالها عامرة بالوفاء والخير.. سبع ساعات خاضت فيها المنطقة المقصودة حرباً ضروساً أطلقت خلالها الطائرات الحربية والمروحية والاستطلاع الصهيونية آلاف القذائف، ونفذت في ظل القصف العنيف عمليتي إنزال في شمال غرب المدينة وشرقها.
دار الحكمة
عملية الإنزال الأولى جرت في محيط مستشفى دار الحكمة الواقع عند مدخل بعلبك الغربي الشمالي، والذي أفرغ من المرضى والأطباء والموظفين منذ بدء العدوان، لكونه يشكل هدفاً للعدو. وفي خطوة احترازية استبق العدو عملية الإنزال بقصف للطريق الدولية من عدة اتجاهات لقطع الطريق ومنع أي إمدادات.
ثم جرى تنفيذ الإنزال لفرقة بلغ عددها حسب الرواية الإسرائيلية 200 عنصر ينتمون إلى وحدة النخبة. فجوبهت القوة وسقط لها خلال المواجهات إصابات عدة أكدتها بقع الدم داخل المستشفى، حيث أمكن للقوة أن تدخل بعد مجابهة عنيفة وغارات اعتبرت من أعنف غاراته لسحب عناصره بعد أن باءت محاولاتهم بالفشل.. فالهدف كان سراباً.
أما في حيثيات الهدف، فالعدو كان يعتقد أن قيادياً ما من حزب الله يوجد داخل المستشفى، وبالتالي فالصيد بدا ثميناً.. ومن الممكن ان يشكل رافعة لمعنويات الجيش المهزوم. لكن حتى اليوم لم يتمكن العدو من معرفة ما الذي حصل؟ وما هي نسبة دقة المعلومات التي حصل عليها؟ وهل ضُلل أم استُدرج الى فخ؟
بعدما تبين خلو المستشفى جن جنون العدو، فأغارت الطائرات الحربية على كل شيء تحرك في كل محور غربي وشمالي بعلبك، مستهدفة السيارات والفانات والأطفال والنساء والرجال الذين حاولوا أن يبحثوا عن أماكن أكثر أمناً من منازلهم، فمنهم من هرب من بيوت الخيش في سهل بلدة إيعات للاختباء في إحدى الجور المجاورة، كحال عائلة طلال الشبلي (سورية الجنسية) التي ذهب منها سبعة شهداء، وعائلتي جمال الدين ومقداد من بلدة وادي الصفاء (الجمالية)، وكانوا يحاولون الانتقال إلى مكان أكثر أمناً (سقط منهم أيضاً سبعة شهداء).
والشهداء هم: طلال شبلي (40 عاماً)، وزوجته مهى شعبان العيسى (35 عاماً)، وأولادهما محمد (3 سنوات)، اسماء (5 سنوات)، مهند (13 سنة)، مؤيد (15 سنة)، ومصعب. (كما أصيب أيضاً مثنى وبتول الشبلي بجراح خطرة).
وفي بلدة وادي الصفا استهدف قصف الأباتشي مكسيم جمال الدين (17 عاماً) ومالك جمال الدين (28 عاماً) عند محاولتهما الانتقال الى منزل عمهما، فأصيبا إصابات مباشرة واستُشهدا على الفور. وخرج عوض قاسم جمال الدين (56 عاماً) وابنه حسن  لمحاولة إنقاذ محتملة، فاستهدفهما صاروخ أدى إلى استشهادهما. في حين استهدفت طائرة أخرى منزل ناجي محسن جمال الدين (45 عاماً) فاستشهد مع ابنه محمد (13 عاما) وجاره حسين يوسف المقداد، وأصيب في الغارة عوض مصطفى جمال الدين.
كما أدت الغارات على محيط المستشفى الى استشهاد ثلاثة أشخاص هم طاقم الطوارئ المولج بحراسة المستشفى: عاطف أمهز ووسام ياغي ورضا مدلج. واستهدفت الطائرات المروحية سيارة على الطريق العام ما أدى الى استشهاد المواطنة نسرين سلوم وجرح علي عبد الله سعيد وحسن ناصيف وبشير نون وعلي أحمد مرتضى ومحمد حسين سلهب ولينا حسين جمال الدين.
الجمالية وحسن نصر الله
هل انتهى دور القوة الآتية من بعيد بعد السقوط في "كمين" دار الحكمة؟ لا، ففي المعلومات ان حسن نصر الله  موجود في العسيرة.
انتهز العدو الفرصة وعمد الى عملية انزال ثانية في محور العسيرة شرق مدينة بعلبك، الذي كان تعرض الى أوسع عملية تدمير للمنازل السكنية، ودخل عناصر العدو الى منزل أحمد العوطة وباغتوا سكانه والجيران الذين احتموا فيه من صواريخ الغارات واختطفوا خمسة مواطنين مدنيين هم: حسن نصر الله وابناه بلال ومحمد، وصهرهما حسن البرجي، ومحمد شكر وصاحب المنزل أحمد العوطة. بعد المسير مسافة طويلة من أجل الوصول الى نقطة الالتقاء مع القوة الجوية لنقل الأسرى ترك الصهاينة محمد حسن نصر الله وطلبوا منه العودة، ثم ما لبثوا أن أطلقوا النار عليه بغية قتله، لكنه نجا بأعجوبة.
تجدر الإشارة إلى ان جنود العدو عمدوا بعد تكبيل الأسرى الى حبس النساء في غرفة وطلبوا منهن عدم مغادرة المكان إلا بعد نصف ساعة، ولكن إخلاء النسوة المكان عند مغادرة العدو للمنزل، أنقذهن من مجزرة حقيقية، إذ عمد الإسرائيليون إلى قصف المنزل وتدميره بعد دقائق من إقلاع الطائرة المروحية.
اما الحكاية فلم تنتهِ هنا.. فالأمين العام لحزب الله في طريقه الى تل أبيب وعدسات الصحافيين تبرق بانتظار اللقطة الأولى لحسن نصرالله مكبلاً!!
ولكن كما قلنا في البداية، حسن نصر الله لم يكن حسن نصر الله.. وكان على حالوتس الدخول مجدداً الى المستشفى بسبب ألم في معدته، سببه أسر سميّ الأمين العام لحزب الله.. فالضربة لم تكن فاشلة فقط، بل كانت إخفاقاً جديداً لسلاح الجو الذي يتحدر منه قائد الأركان، وبالتالي فإن الفشل سينسحب على حالوتس.. فهل تعلم الدرس جيداً؟
إنزال بوداي
لا يبدو أن حالوتس تعلم الدرس، فبعد أن أعلن وقف العمليات العسكرية في لبنان وبعد ان تكشفت هزيمة العدو خلال 33 يوما، حاول ان يعوض بعض ما فاته بإنزال دار الحكمة, فأقدم فجر السبت الواقع فيه 19/8/2006 على عملية انزال كبيرة في منطقة بوداي الواقعة غربي مدينة بعلبك وسط تحليق مكثف للطيران الحربي والمروحي، فأرسل قوة كومندوس خاصة إلى منطقة سهل بوداي ظنا منه ان المقاومين بعد وقف العمليات الحربية قد استسلموا للراحة، الا ان المجاهدين كانوا ما يزالون على أهبة الاستعداد، فوقعت القوة الخاصة الصهيونية في كمين محكم ودارت اشتباكات عنيفة استخدم خلالها المجاهدون مختلف انواع الاسلحة، سقط نتيجتها للقوة المهاجمة قتلى وجرحى، وتأكد مقتل ستة منهم, بينهم المسؤول المباشر عن عملية اختطاف الأسير المحرر الحاج مصطفى الديراني. وعندها تدخلت طائرات العدو لمساندة القوة المستهدفة ولإخراجها من ساحة المعركة.
 وتحت غطاء كثيف من النيران عملت هذه الطائرات على إجلاء المصابين والقتلى، ومن ثم الانكفاء عن المنطقة مخلفة وراءها الكثير من الأدوات الطبية التي استخدمت في إسعاف جنود العدو المصابين، فيما لم يصب أي من المجاهدين بأذى.
تفاصيل إنزال بوداي
بدأ التمهيد لعملية الإنزال بعد سلسلة من الغارات الوهمية نفذتها الطائرات الحربية بدءا من الساعة التاسعة والنصف من مساء الجمعة على علو منخفض جدا شملت كل قرى غربي بعلبك، ثم ما لبثت ان أنزلت مروحيات العدو مجموعة من نخبها العسكرية في المنطقة الواقعة بين عيون السيمان وأفقا، وبقيت هذه القوة مرابطة حتى حوالى الساعة الثالثة من فجر السبت، ثم انطلقت بسيارات من نوع شيفروليه عسكرية ويرتدون لباس الجيش اللبناني, انطلقت تحت ظل طائرات الاستطلاع متخذة طريقا ترابية قريبة من مزرعة الضليل وصولا الى بلدة السعيدة.
وعند الساعة الثالثة وخمس وأربعين دقيقة رُصدت من قبل مجاهدي المقاومة الاسلامية الذين نصبوا لها كمينا عند مثلث السعيدة بوداي العلاق، وعند وصول القوة الى نقطة المكمن حاولت إيهام احد عناصره بأنها قوة صديقة، لكن الامر لم يلتبس  على عناصر الكمين، فبادروا الى اطلاق النار على السيارتين فأصابوهما اصابات مباشرة وأوقعوا فيهما ثمانية اصابات بين قتيل وجريح، ما أجبرهما على تغيير وجهة سيرهما. وهنا تدخلت باقي الكمائن المنتشرة في سهل بوداي وباشرت بإطلاق النار باتجاه القوة الاسرائيلية، وعلى الفور تدخلت المروحيات والطائرات الحربية بعنف وقصفت محيط القوة وأمنت حزاما ناريا حمت خلاله قوة الكومندوس من محاولات الإجهاز على من تبقى منها.
وألقت المروحيات عشرات الصواريخ على كل الأجسام في محيط وجود القوة، وبسبب كثافة النيران التي أطلقها المجاهدون باتجاه الطائرات والكومندوس لم تتمكن مروحيات الأباتشي برغم حداثتها وقدرتها القتالية من اصابة أي موقع او أي فرد من أفراد المقاومة، برغم استمرار المواجهات ستا وأربعين دقيقة.
 وبعد افشال الانزال الذي بحسب الظاهر كان يهدف الى عملية أمنية, عمل مجاهدو المقاومة على الكشف على مكان الاشتباكات ومكان هبوط المروحية وسط حصيد القمح، فعثروا على تسع بقع دماء كبيرة في أماكن مختلفة وبعض الأشلاء المتناثرة وبوصلة لتحديد مكان القوات وأدوات لتركيب الأمصال وأجهزة للتنفس الاصطناعي ومخدر للألم ومضادات حيوية وضمادات جروح وأدوات متنوعة، اضافة الى حقن وأنابيب.
ولا شك في ان قصة انزال بوداي سيرويها جنود نخبة العدو الى زملائهم لأخذ العبر مستقبلا.
تحقيق وتصوير: عصام البستاني
الانتقاد / العدد1227 ـ 10 آب/أغسطس 2007


2007-08-10