ارشيف من : 2005-2008
كيف تحول انزال بعلبك من عملية هادفة الى عملية استعراضية ومن ثم الى خيبة
كتب علي حيدر
جهد القادة العسكريون والأمنيون الإسرائيليون خلال العدوان على لبنان، وفي سياق سقوط رهاناتهم وخططهم التي عقدوا عليها الآمال الكثيرة، في محاولة اجتراح افكار حول تنفيذ عمليات نوعية ذات صدى اعلامي ومعنوي كبير.
وفي هذا المجال تدافع رجال الوحدات الخاصة للحضور الى الطابق الخامس عشر في مبنى وزارة الحرب في تل أبيب، حيث عُرضت هناك الكثير من الافكار التي وصل بعضها ـ حسب صحيفة معاريف ـ الى حد الخيال المضطرب.
وانطلاقا من الدوافع ذاتها التي دفعت قيادة اركان الجيش الى الإصرار على احتلال بنت جبيل، تبلورت فكرة تنفيذ عملية كبيرة في بعلبك لكونها تنطوي "على رمزية معينة بهدف كسر المعادلة وتدمير رمزية حزب الله وتوفير انتصار يؤثر في الوعي".

بدأت الفكرة بالتبلور عندما عرض العقيد رونن الذي كان يتولى منصبا رفيعا في شعبة الاستخبارات العسكرية، الفكرة على رئيس الأركان العامة دان حالوتس، وقال له: "نحن ملزمون بعملية خلف خطوط حزب الله". وكان اقتراحه الاول إرسال قوة مختارة للسيطرة على مطار بيروت مدة غير محددة ورفع العلم الإسرائيلي، ولكن احتلال مطار بيروت لم يرق لحالوتس، وإنما راقه أصل فكرة الهجوم خلف خطوط العدو.
وقد اختيرت مدينة بعلبك في اللقاء الأول الذي أجراه اللواء تال روسو بصفته مساعد رئيس شعبة العمليات لشؤون العمليات الخاصة، لما تنطوي عليه من رمزية خاصة بحزب الله، ولأنها تعتبر من منظور اسرائيلي خطا خلفيا له، يقع على بعد عشرات الكيلومترات عن ساحات المواجهة المباشرة في الجنوب.
وفي 22 تموز دُعي أكثر من 20 شخصية لإجراء مشاورات في قاعة الاجتماعات الخاصة بشعبة العمليات العسكرية، حيث اجتمع هناك قادة من وحدات سيرت متكال والكوماندو البحري ومن وحدة شلداغ، الى جانب شخصيات كبيرة من الموساد والشاباك، وشارك فيها أيضا رئيس الشاباك يوفال ديسكين ورئيس شعبة العمليات أيزنكوت.
كانت الفكرة الأساسية إنزال قوة كبيرة تتراوح بين 600 الى 800 مقاتل داخل المدينة للسيطرة على مقر حزب الله والمكوث هناك عدة أيام، لكن نائب رئيس الأركان موشيه كابلنسكي ورئيس شعبة العمليات غادي أيزنكوت عارضا بشدة هذه الخطة، وبالتالي رُفضت.. وكان أحد أسباب معارضتهما هو قرب بعلبك من الحدود السورية، وبالتالي وجود خشية من أن يؤدي الوجود المتواصل في بعلبك الى جر السوريين لمواجهة مباشرة مع الجيش الإسرائيلي.
وفي النهاية تبلورت خطة للإغارة بمشاركة حوالى 200 مقاتل، وكان هدف مقاتلي سييرت متكال (وحدة الأركان العامة) مستشفى دار الحكمة، بهدف خطف طبيب إيراني يُفترض وجوده فيه، وقد يكون عالج الجنود الإسرائيليين الأسرى لدى حزب الله.. اضافة الى اعتقال عدد من مسؤولي حزب الله القاطنين في المدينة، وتحديدا في حي الشيخ حبيب الذي كان هدف هجوم وحدة شلداغ، وهو يبعد حوالى خمسة كيلومترات عن المستشفى.
وبعد الاستعداد للعملية أجرت سييرت متكال وشلداغ تدريبات على نماذج مشابهة، وأعطيت المصادقة النهائية على العملية من قبل وزير الحرب بيرتس قبل عدة ساعات على إقلاع المروحيات، برغم انه تبين لهم ان الطبيب الإيراني غير موجود في بعلبك، لكن بيرتس كان مقتنعا بأن وجه الحرب على وشك أن يتغير.
وتحولت المهمة الى إلقاء القبض على عدد من الأسرى من عناصر حزب الله في بعلبك، وإلحاق خسائر في صفوف عناصر حزب الله. والفكرة الأساسية كانت المس بمعنويات مقاتلي حزب الله الموجودين على الجبهة، ودفع المنظمة إلى الانتقال الى حالة الدفاع بدل الهجوم.
وكشفت صحيفة "معاريف" ان ضباط الجيش بقوا منقسمين في الرأي حتى بعد الحرب، حول ما إذا كان الأمر يتعلق بعملية لها قيمة عسكرية فعلية أو بعملية استعراضية.
ويمكن تلمس الجانب الاستعراضي في الطلب الذي وُجّه الى بعض الجنود بتصوير العملية لحاجات دعائية. وقد عرضها المتحدث باسم الجيش، كما بُثت في وسائل الاعلام الإسرائيلية، حيث يظهر الجنود وهم يفتشون جوارير في أحد مكاتب المستشفى.
وتبين للجيش بعد عملية الإنزال التي قام بها ان المستشفى كان خاليا تماما عندما أغار عليه عناصر سييرت متكال (وحدة الأركان العامة). وكذلك الحي الذي دخله رجال وحدة شلداغ كان خاليا، اضافة الى كل المنازل التي دخلتها القوة، باستثناء منزل واحد كان يوجد فيه ستة أشخاص: أربعة رجال ـ أحدهم يحمل اسم "حسن نصر الله" ـ وامرأتان، وبحوزتهم بندقية كلاشينكوف. أُخذ الرجال إلى فلسطين المحتلة، إضافة إلى فتى يبلغ من العمر 16 عاما، وراعٍ التقى بالمقاتلين صدفة.
وفي أعقاب العملية عقد حالوتس مؤتمرا صحافيا أكد فيه اعتقال عدد من عناصر حزب الله، ليتبين لاحقا أنهم مدنيون لا علاقة لهم بالمقاومة وحزب الله، وهو ما دفع "اسرائيل" الى إطلاق سراحهم لاحقا.
وهكذا ظهر لاحقا ان خطف الطبيب المزعوم لم يتحقق، ولا اعتُقل أي عنصر من حزب الله، ولم تؤثر العملية في مجريات القتال ولا في معنويات المقاومين.. وهكذا تحول الإنزال في بعلبك من عملية خطف الى مخاطرة من دون جدوى باعترافات اسرائيلية.
الانتقاد/ العدد 1227 ـ 10 آب/أغسطس 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018