أما وإن انتخابات المتن الفرعية انتهت بفوز مرشح التيار الوطني الحر الدكتور كميل الخوري على "فخامة الرئيس" الرئيس الأعلى لحزب الكتائب أمين الجميل بفارق 418 صوتا، غير أن تداعياتها السياسية ستبقى مستمرة إلى حين موعد الاستحقاق الرئاسي ليس بفعل الخسارة التي مني بها الجميل في عقر داره فحسب، إنما بفعل ما رافقها من إثارة وتهجم على الطائفة الارمنية من قبل الأخير، ونعتها بالطارئة على الكيان اللبناني، واتهامها بممارسة التزوير في صناديق الاقتراع بحيث أتت النتائج لمصلحة حليفها "التيار"..
ثم إن أحداً لا يمكن إن يتنّكر للثقل الارمني في المتن، وإمكانية تجيير صوته في معركة تبدو بالنسبة إليه إعادة اعتبار جراء التهميش الذي لحق به في الانتخابات السابقة، بحيث بدا صوته رافعة للطرف السياسي الذي تحالف معه، وهو ما يؤكد أن الاستخفاف بالصوت الارمني وما يمثله على رقعة جغرافية محددة من شأنه أن يقلب الصورة رأساً على عقب، وقد لمس ذلك جيدا الرئيس الجميل فأتت خسارته مزدوجة إن على صعيد موقعه الحزبي أو موقعه السياسي في منطقة تعتبر بالأصل عرينه.
فاللهجة العنصرية التي اتسم بها كلام الجميل بعد ساعات على إقفال صناديق الاقتراع وضعت الأخير أمام مأزق أخلاقي قبل أن تضعه أمام مأزق سياسي بحيث جرى التنكر لكل التحالفات التي كانت تربط آل الجميل مع حزب الطاشناق منذ الستينات، والتي على أساسها استندت زعامة آل الجميل، فجاء بيار الجميل (الأب) نائباً عن المتن وبعده (الابن) أمين بأصوات الارمن.
|
هكذا يعرف " الشباطيون" الانتخاب.. * عندما حضر القيادي في التيار الوطني الحر عصام أبو جمرة إلى مركز الاقتراع في بلدة المنصورية استقبله مناصرو التيار بالهتافات المؤيدة فردّ عليهم مناصرو "القوات اللبنانية" بالشتائم، وعملت القوى الأمنية على معالجة الأمر. * أثناء مرور موكب للتيار الوطني الحرّ أمام فصيلة جسر بيروت تعرّض للتهجّم والضرب من قبل مناصري "القوات اللبنانية". * أثناء تجوال موكب سيّار لمناصري التيار الوطني الحرّ في بلدة المروج وبوصوله إلى ساحة البلدة أقدم أحد مناصري "القوات اللبنانية" ويدعى ع.ح. على رمي صندوق برتقال أمام الموكب بهدف عرقلة مسيره. * تهجم عناصر من ميليشيا الحزب التقدمي الاشتراكي على دورية للجيش اللبناني في بلدة بحمدون المحطة فاضطر عناصرها إلى اطلاق عيارات نارية في الهواء، ثمّ أوقفوا خمسة أشخاص هم: صلاح يوسف ب.، وشقيقه ريدان، وفوزي غانم ط.، وغانم قاسم ط.، وفؤاد منير ط.. * اعترف طوني.أ. أنّ مناصراً لحزب الكتائب يدعى و.ح. عرض على جدته المقيمة في بلدة بسكنتا مبلغ 400 ألف ليرة بغية التصويت لمصلحة الرئيس أمين الجميل. |
حالة الهستيريا التي طبعت كلام الجميل نتجت على حد قول مصدر متابع عن مفاجأة الاخير بفوز مرشح التيار بالرغم كل الامكانيات الإعلامية والمالية التي سخرت لخصمه، وخصوصاً أن معركة المتن جيرت لها إمكانيات دولية وعربية، وفي مقدمتها الإدارة الأميركية والمملكة العربية السعودية التي دخلت على خط الاتصالات، هذا فضلاً عن دعم أطراف الموالاة له بكل أطيافها.
وما لم يقرأه جيداً الجميل ـ وفق المصدر عينه ـ هو حسابات حزب الطاشناق (القوة الأوسع تمثيلاً للارمن) التي انطلقت من وحدة المعاناة من التهميش السياسي، فمنذ العام 2000 المواقع التمثيلية للطاشناق قد جرى اكتساحها في بيروت والمتن بمرشحين ينتمون إلى تحالف الموالاة (الحريري ـ جنبلاط) ولا يمثلون حقيقة الشارع الارمني، وهي حسابات توقف عندها ملياً التيار الوطني الحر حيث
التزم العماد ميشال عون بالوزن التمثيلي لحزب الطاشناق، وأعلن عشية انتخابات 2005 أنه لن يشكل لائحة بمرشح ارمني ما لم يتفق مع الطشناق، هذا السلوك السياسي لم يسبقه عليه الأطراف الآخرون الذين تتشكل منهم الموالاة، فتصرفوا بمنطق استباحة الموقع والمكانة الارمنية في المعادلة التمثيلية.
وإذا كانت ذاكرة الجميل قد خانته، فـ"المتنيون سارعوا إلى تذكيره بجذور عائلته التي قدمت الى لبنان بعد الهجرة الارمنية الأولى، وبالتالي أي كلام من هذا النوع هو بمثابة كلام عنصري فتنوي ومردود على صاحبه، لان هناك مساواة بالمواطنية، ومثله قد يجر إلى صدامات أهلية ليست في مصلحة لبنان لكونه يهدد الأمن والقرار الوطني"، يقول المصدر الذي لفت إلى "أن كلام جنبلاط حول أننا ربحنا بالسياسة وخسرنا بالأرقام لم يعد ينطلي على احد على اعتبار أن الصحافة الأميركية والأوروبية قالت بالفم الملآن إن أوهام جورج بوش المعلقة على ما يسمى بثورة الأرز قد سقطت، وإن حكومة السنيورة تلقت صفعة قاسية في الانتخابات الفرعية".
عين الإعلام على انتخابات المتن ـ كان فاضحاً انحياز قناة العربية لمرشح الموالاة، ودخلت في اللعبة التضليلية، حيث التركيز على صورة بعض المجنسين.. علماً بأن محطة "O.T.V" قد عرضت صوراً للمجنسين وهم يرتدون قبعات ولباس حزب الكتائب. ـ في منتصف النهار الانتخابي، قطعت المؤسسة اللبنانية للإرسال إرسالها مع المتن لتعرض مباراة لبنان في كرة السلة. ـ حضر الكلام العنصري ضد الأرمن والسوريين بشكل قد يشعل فتنة في الظروف العادية، علماً بأن شاشات التلفزة استمرت على المعزوفة العنصرية ذاتها حتى بعد انتهاء الانتخابات بأيام. ـ عمدت قناة المنار إلى فصل محطتها الفضائية عن الأرضية، فكانت الصورة الانتخابية داخلية فقط. ـ لوحظ ان قناة المستقبل قد ركزت في دعايتها على صور النعوش والدم والاغتيال، لتحفيز الجالس في منزله على النزول والانتخاب. ـ غابت كاميرات المستقبل والـ L.B.C عن الرابية لتعزيز حضورها في بكفيا.
|
أوساط ارمنية أكدت لـ"الانتقاد" "أن رد فعل الجميل العنصري جاء على خلفية أن الأرمن غير معنيين كثيراً بالانتخابات الفرعية، وأنهم لن يقترعوا بالأعداد الكثيفة"، مشيرا إلى جملة أخطاء سبقت عشية الانتخابات الفرعية و"تبدأ من تغييبنا في انتخابات بيروت (2000)، تعاط غير كفوء معنا، التدخل في شؤوننا الداخلية وتأليب الأرمن على حزب الطاشناق، وثم استفزازنا من خلال إقامة مهرجان خطابي في برج حمود، ما دفع بالأرمن إلى أن يصبوا بصوت واحد في صناديق الاقتراع لمصلحة تحالف عون ـ المر اضافة الى الطاشناق".
وتقول هذه الأوساط "إن رد الفعل على كلام الجميل جاء عبر صناديق الاقتراع، وإننا لن نسمح بعد اليوم بأن يدوس احد علينا، وإن المطلوب اليوم من أمين الجميل هو الاعتذار العلني من الطائفة الارمنية"، وكشف بأن "حزب الطاشناق في صدد تحضير لدعوى قضائية ضد الجميل وغبريال المر الذي تناولنا ايضاً، وانه في الأيام القليلة المقبلة سيكون هناك تحرك لدى مختلف الهيئات السياسية والأهلية لدى الأرمن لمواجهة هذه العنصرية".
وفيما يشبه التحدي لـ"الجميل" أكدت الأوساط الارمنية "أن الأرمن مستعدون أن يعيدوا الانتخابات مرة أخرى لنثبت تحالفنا مع العماد عون والمر".
بالتأكيد فإن خسارة الجميل والجرح العميق الذي أصابه لن يداويه حلفاؤه (جعجع، جنبلاط، الحريري) مهما تحدثوا عن انتصار مزعوم، فصناديق الاقتراع قالت عكس ما تردده أبواقهم منذ مساء الاحد 5 آب.
حسين عواد
|
وطنية "القوّات اللبنانية" تظهر برفع العلم الأميركي
في كلّ مناسبة داخلية تعبّر "القوّات اللبنانية" عن سياديتها الخالصة بالارتماء في حضن الوصاية الأميركية، وترفض أن يسبقها أحد في تحصيل هذا الشرف المميّز، فيرفع مناصروها العلم الأميركي إلى جانب علمها الخاص، وينبذون العلم اللبناني الوطني. فبعد المشهد المؤثّر في محلّة الحازمية خلال تصدّي مناصري "القوات اللبنانية" لأنصار المعارضة في الإضراب العام الذي حصل يوم الثلاثاء في 23 كانون الثاني/ يناير من العام 2007، ورفعهم علم الوصاية الأميركية تعبيراً عن إعجابهم الشديد بهذه الوصاية المغايرة لكلّ شعارات "الحرّية والسيادة والاستقلال" التي يرفعها "الحكيم" سمير جعجع و"البيك" وليد جنبلاط و"الشيخ" سعد الدين الحريري، أبى هؤلاء المناصرون إلاّ أن يكرّروا هذا الإعجاب، ولم يجدوا طريقة أخرى أشدّ تأثيراً سوى اغتنام فرصة الانتخابات الفرعية في المتن الشمالي لرفع العلم الأميركي. وهذه واحدة من سيّارات مؤيّدي حزب "القوّات اللبنانية" تجول في قرى المتن الشمالي رافعة علم "القوّات" والعلم الأميركي، بينما يغيب العلم اللبناني غير المرغوب به من قبلهم. هل شاهد "السياديون الجدد" أنصارهم ومحازبيهم الذين يفضّلون راية الارتهان للغريب الأميركي، أم أنّهم يعرفون مسبقاً أنّ هذا المشهد هو من نكهة الاستزلام ولا بدّ منه، ولذلك كانت أوامرهم المشدّدة والمطاعة حُكْماً بضرورة التعبير عن الولاء للأميركي الذي دمّر ولا يزال يدمّر لبنان بتعليماته وإرشاداته الحكيمة، برفع علمه بنجومه الساطعة؟! ع.م |
الانتقاد/ العدد 1227 ـ 10 آب/أغسطس 2007